ابن قتيبة ، المعنى : تدلّى فدنا ، لأنّه تدلّى للدّنوّ ، ودنا بالتّدلّي ، وقال الزّجّاج : دنا بمعنى قرب ، وتدلّى : زاد في القرب ، ومعنى اللفظتين واحد. وقال غيرهم : أصل التّدلّي : النّزول إلى الشيء حتى يقرب منه ، فوضع موضع القرب. وفي المشار إليه بقوله : «ثم دنا» ثلاثة أقوال (١) : أحدها ، أنه الله عزوجل.
(١٣٥٥) روى البخاريّ ومسلم في الصحيحين. من حديث شريك بن أبي نمر عن أنس بن مالك قال : دنا الجبّار ربّ العزّة فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى.
(١٣٥٦) وروى أبو سلمة عن ابن عباس : «ثم دنا» قال : دنا ربّه فتدلّى.
وهذا اختيار مقاتل. قال : دنا الرّبّ من محمّد ليلة أسري به ، فكان منه قاب قوسين أو أدنى. وقد كشفت هذا الوجه في كتاب المغني وبيّنت أنه ليس كما يخطر بالبال من قرب الأجسام وقطع المسافة ، لأنّ ذلك يختصّ بالأجسام ، والله منزّه عن ذلك. والثاني : أنه محمّد دنا من ربّه ، قاله ابن عباس ، والقرظي. والثالث : أنه جبريل. ثم في الكلام قولان : أحدهما : دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض ، فنزل إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، قاله الحسن ، وقتادة. والثاني : دنا جبريل من ربّه عزوجل فكان منه قاب قوسين أو أدنى ، قاله مجاهد.
قوله تعالى : (فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) وقرأ ابن مسعود ، وأبو رزين : «فكان قاد قوسين» بالدال. وقال أبو عبيدة : القاب والقاد : القدر. وقال ابن فارس : القاب : القدر. ويقال : بل القاب : ما بين
____________________________________
من طريق مجالد عن الشعبي به. وأخرجه البخاري ٣٢٣٤ من طريق ابن عون عن القاسم عن عائشة به. وأخرجه ابن خزيمة في «التوحيد» ص ٢٢٥ من طريق أبي معشر عن إبراهيم عن مسروق به. وأخرجه أبو عوانة ١ / ١٥٥ من طريق بيان عن قيس عن عائشة به. ولفظ البخاري برقم ٣٢٣٥ : عن مسروق قال : قلت لعائشة رضي الله عنها : فأين قوله : ثم دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، قالت : ذاك جبريل كان يأتيه في صورة الرجل ، وإنما أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته ، فسدّ الأفق.
(١٣٥٥) شاذ ، أخرجه البخاري ٧٥١٧ ومسلم ١٦٢ ح ٢٦٢ كلاهما من طريق شريك بن أبي نمر عن أنس ، وشريك متكلم فيه ، وقد تفرد في حديث الإسراء بعشرة أشياء لم يتابع عليها ، ومنها هذه العبارة ، وهي من منكراته. انظر ما ذكره الحافظ في «الفتح» ١٣ / ٤٨٠ ـ ٤٨٣.
(١٣٥٦) صحيح. أخرجه مسلم ١٧٦ ح ٢٨٦ والنسائي في «التفسير» ٥٥٥ والطبري ٣٢٤٦٦ من طرق عن الأعمش به. وأخرجه مسلم ١٧٦ ح ٢٨٥ عن ابن أبي شيبة وأبي سعيد الأشج به. وأخرجه الترمذي ٣٢٨٠ وابن خزيمة ص ٢٠٠ والطبري ٣٢٤٨٩ وابن حبان ٥٧ والطبراني ١٠٧٢٧ والبيهقي في «الأسماء والصفات» ٩٣٣ من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن ابن عباس.
__________________
(١) قال ابن كثير في «تفسيره» ٤ / ٢٩٣ : وقوله : (فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) أي فاقترب جبريل إلى محمد لما هبط إلى الأرض حتى كان بينه وبين محمد صلىاللهعليهوسلم قاب قوسين أي بقدرهما إذا مدّا. وهو قول عائشة ، وابن مسعود ، وأبي ذر ، وأبي هريرة. وقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنه قال : رأى محمد ربّه بفؤاده مرتين فجعل هذه إحداهما وحديث شريك عن أنس في حديث الإسراء : «ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى» تكلم الناس في متن هذه الرواية وذكروا أشياء فيها من الغرابة فإن صح فهو محمول على وقت آخر وقصة أخرى ، لا أنها تفسير لهذه الآية ، فإن هذه الآية كانت ورسول الله صلىاللهعليهوسلم في الأرض لا ليلة الإسراء ، ولهذا قال بعده : (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى) فهذه ليلة الإسراء والأولى كانت في الأرض.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
