ابن عباس. والثاني : أنّ المراد بالزّرع : محمّد صلىاللهعليهوسلم «أخرج شطأه» : أبو بكر «فآزره» : بعمر «فاستغلظ» : بعثمان «فاستوى على سوقه» : بعليّ (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ) : يعني المؤمنين «ليغيظ بهم الكفّار» وهو قول عمر لأهل مكّة : لا يعبد الله سرّا بعد اليوم ، رواه الضّحّاك عن ابن عباس ، ومبارك عن الحسن. قوله تعالى : (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) أي : إنّما كثّرهم وقوّاهم ليغيظ بهم الكفّار ، وقال مالك بن أنس (١) : من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقد أصابته هذه الآية. وقال ابن إدريس لا آمن أن يكونوا قد ضارعوا الكفّار ، يعني الرّافضة ، لأنّ الله تعالى يقول : «ليغيظ بهم الكفّار». قوله تعالى : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) قال الزّجّاج : في «من» قولان : أحدهما : أن يكون تخليصا للجنس من غيره ، كقوله : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ) (٢) ، ومثله أن تقول : أنفق من الدّراهم ، أي : اجعل نفقتك من هذا الجنس ، قال ابن الأنباري : معنى الآية : وعد الله الذين آمنوا من هذا الجنس ، أي : من جنس الصّحابة. والثاني : أن يكون هذا الوعد لمن أقام منهم على الإيمان والعمل الصّالح.
__________________
(١) قال ابن كثير رحمهالله في «تفسير» ٤ / ٢٤١ : ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمهالله في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ، قال : لأنهم يغيظونهم ، ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية ، ووافقه طائفة من العلماء على ذلك. والأحاديث في فضائل الصحابة والنهي عن التعرض لهم بمساءة كثيرة ، ويكفيهم ثناء الله عليهم ورضاه عنهم ثم قال : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ) من هذه لبيان الجنس (مَغْفِرَةً) أي لذنوبهم ، (وَأَجْراً عَظِيماً) أي ثوابا جزيلا ورزقا كريما. ووعد الله حقّ وصدق ، لا يخلف ولا يبدل ، وكل من اقتفى أثر الصحابة فهو في حكمهم ، ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة رضي الله عنهم وأرضاهم ، وجعل جنات الفردوس مثواهم ، وقد فعل.
ـ وقال القرطبي رحمهالله في «تفسيره» ١٦ / ٢٥٤ : الصحابة كلهم عدول ، أولياء الله تعالى وأصفياؤه ، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله ، وهذا مذهب أهل السنة ، والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة. وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم ومنهم من فرق بين حالهم في بداءة الأمر. وهذا مردود ، فإن خيار الصحابة وفضلائهم كعلي وطلحة والزبير وغيرهم رضي الله عنهم ممن أثنى الله عليهم.
وزكاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة. وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخبارهم لهم بذلك ، وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم ، إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد ، وكل مجتهد مصيب قال صلىاللهعليهوسلم : «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم» متفق عليه وقال عليه الصلاة والسلام : «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا لم يدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» متفق عليه.
(٢) الحج : ٣٠.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
