ليس الفتح سبب المغفرة. قوله تعالى : (ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) قال ابن عباس : والمعنى : «ما تقدّم» في الجاهلية و«ما تأخّر» ما لم تعلمه ، وهذا على سبيل التأكيد ، كما تقول : فلان يضرب من يلقاه ومن لا يلقاه. قوله تعالى : (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) فيه أربعة أقوال : أحدها : أنّ ذلك في الجنّة. والثاني : أنه بالنّبوّة والمغفرة ، رويا عن ابن عباس. والثالث : بفتح مكّة والطّائف وخيبر ، حكاه الماوردي. والرابع : بإظهار دينك على سائر الأديان ، قاله أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى : (وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً) أي : ويثبّتك عليه ؛ وقيل : ويهدي بك ، (وَيَنْصُرَكَ اللهُ) على عدوّك (نَصْراً عَزِيزاً) قال الزّجّاج : أي : نصرا ذا عزّ لا يقع معه ذلّ.
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧) إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠))
قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ) أي : السّكون والطّمأنينة (فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ) لئلّا تنزعج قلوبهم لما يرد عليهم ، فسلّموا لقضاء الله ، وكانوا قد اشتدّ عليهم صدّ المشركين لهم عن البيت ، حتى قال عمر : علام نعطي الدّنيّة في ديننا؟ فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم :
(١٢٨٤) «أنا عبد الله ورسوله ، لن أخالف أمره ولن يضيّعني».
ثم أوقع الله الرّضى بما جرى في قلوب المسلمين ، فسلّموا وأطاعوا. (لِيَزْدادُوا إِيماناً) وذلك أنه كلّما نزلت فريضة زاد إيمانهم. (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) يريد أنّ جميع أهل السّموات والأرض ملك له ، لو أراد نصرة نبيّه بغيركم لفعل ، ولكنه اختاركم لذلك ، فاشكروه.
قوله تعالى : (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ ...) الآية.
(١٢٨٥) سبب نزولها أنه لمّا نزل قوله : (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ) قال أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم : هنيئا لك يا
____________________________________
(١٢٨٤) صحيح. أخرجه البخاري ٣١٨٢ ومسلم ١٧٨٥ والنسائي في الكبرى ١١٥٠٤ من حديث أبي وائل عن سهل بن حنيف. وانظر «تفسير الشوكاني» ٢٣٠٢.
(١٢٨٥) صحيح. أخرجه البخاري ٤١٧٢ و ٤٨٣٤ وأحمد ٣ / ١٧٣ من طريق شعبة. وأخرجه مسلم ١٧٨٦ وأحمد ٣ / ١٢٢ و ١٣٤ والطبري ٣١٤٥٤ من طريقين عن همام به. وأخرجه مسلم ١٧٨٦ والبيهقي ٥ / ٢١٧ من طريق شيبان. وأخرجه أحمد ٣ / ٢٥٢ عن عفان ثنا همام ثنا قتادة ثنا أنس رضي الله عنه. وهو في «شرح السنة» ٣٩١٤ بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي ٣٢٦٣ وأحمد ٣ / ١٩٧ عن طريق معمر. وأخرجه مسلم ١٧٨٦
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
