وإنما الناس ـ كل الناس ـ محتاجون إلى من يمسك زمامهم ويروّض غرائزهم ، فى تعاملهم مع الدنيا ، وفى تنافسهم المهلك على ما فيها من مال ومتاع ..
فكل معرض يعرض فيه القرآن الكريم ، الحياة الدنيا ، مستخفّا بها ، مهونا من شأنها ، إنما هو دواء ملطف لهذا السّعار الذي يدفع الناس دفعا فى غير وعى ، إلى أن يلقوا بأنفسهم إلى مواطن التهلكة ، دون أن يأخذوا حذرهم مما يلقاهم على هذا الطريق المحفوف بالمخاطر ..
وقوله تعالى : (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً) ـ هو تشبيه لحال الدنيا ، وما يبدو للناس منها من مفاتن ومغريات ، ينخدع بها من يلهيهم ظاهر الأمور عن حقائقها ..
فالحياة الدنيا ـ فى ظاهرها ـ أشبه بغيث وقع على الأرض ، فبعث الحياة فى مواتها ، وأخرج منها زروعا ناضرة ، وحدائق ذات بهجة ، ثم لا تلبث هذه الزروع وتلك الجنات أن تهيج ، وتبلغ غايتها ، ثم لا تلبث كذلك أن تأخذ فى الذبول والضمور ، ثم نجفّ ، وتصبح هشيما تذروه الرياح ..
هذه هى الدنيا ؛ زرع ، يملأ الأرض بهجة وجمالا ، ثم إذا هذا الزرع النضر البهيج ، قد زال عن وجه الأرض ، وصار حطاما ، وصارت الأرض خواء خلاء ..
فمن أقام وجوده فى هذه الدنيا على أنها زرع لا يذبل ، ولا يجفّ ، ولا يتحول عن حاله ، فهو مخطئ ، ومن أقام وجوده فيها ، على أنها جدب وقفر ، فهو مخطئ كذلك .. وإنما هى زرع وحصاد ، وخصب وجدب ، وحياة وموت! ..
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١٤ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3357_altafsir-alqurani-lilquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
