وجهه ، إذا هو أراد النجاة والسلامة ، وإنما هى مراد فسيح ، ومجال متسع للسعى والعمل ، ولابتغاء كثير من وجوه الخير والنفع منها ، إذا عرف المرء كيف يسوس حياته فيها ، ويقيمها على طلب الطيّب النافع منها ، على أن يكون ذلك فى قصد واعتدال ، وبمعزل عن طلب التفاخر والتعالي ، فإن من شأن التعالي والتفاخر أن يجور على حياة الإنسان نفسه ، كما أن من شأن هذا أن يحمله على الجور على حقوق الناس ، ابتغاء الوصول إلى الغاية التي يبلغ فيها حدّ التعالي الذي يملؤه فخرا وتيها ..
فعرض الدنيا فى هذا المعرض الذي جاءت به الآية الكريمة ، ليس دعوة إلى الزهد فى الدنيا ، زهدا يقيم الإنسان فيها مقام الضائع المستكين ، الذي لا يمسك فى يده بشىء منها ـ كما فهم ذلك بعض الذين لا يعرفون حقيقة هذا الدين ، ولا يدركون مراميه البعيدة ، فانسحبوا من معركة الحياة ، وأخلوا مكانهم من ميادينها العاملة ، فكانوا أشبه بالمنافقين الذين اندسوا فى جيش المجاهدين ، فلما التحم القتال ، أعطوا العدوّ ظهورهم ، وولوا مدبرين ..
إن الإسلام. إذ يعرض الدنيا فى هذا العرض الذي يهوّن منها ، ويخفف من موازينها ، إنما يواجه بهذا العرض النفس البشرية ، التي من طبيعتها الإقبال على الدنيا ، والتكالب على شهواتها .. وتلك حال تحتاج إلى دعوة تكسر من حدة هذا التكالب ؛ وتقيمه على صراط مستقيم ..
فالناس ـ كل الناس ـ ليسوا فى حاجة أبدا إلى من يدعوهم إلى الإقبال على الدنيا ، وإلى أخذ حظوظهم منها ، إذ هم مقبلون بطبعهم عليها ، مدعوون بحكم غريزتهم إلى الاندفاع فى هذا الإقبال إلى مالا نهاية له ..
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١٤ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3357_altafsir-alqurani-lilquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
