والإدراك ، ثم ـ زيادة فى الاحتياط ، وحراسة لآذانهم من أن يقع فيها شىء من القرآن عفوا ـ جعلوا بينهم وبين النبي حجابا ، بالبعد عنه ، واجتناب أىّ مكان يكون فيه ، حتى يأمنوا أن تطرق كلمة من كلماته أسماعهم ..!
وقد يبدو ـ فى ظاهر الأمر ـ أن النظم الذي جاء عليه القرآن فى ترتيب هذه المغالق ـ أنه قد جاء بها على غير الترتيب الطبيعي ، الذي يألفه الناس ، فى التدبير لما يحرصون عليه ، ويعملون على صيانته وحراسته ، من الآفات ، والعوارض التي تعرض له .. حيث يتجه الإنسان أول ما يتجه إلى إقامة سور حول بيته ، ثم يتخير فى داخل هذا السور المكان الذي يقيم فيه البيت ، ثم يتخير من هذا البيت المكان الأمين الذي يحفظ فيه الغالي الثمين ، مما يحرص عليه من مال ومتاع ..! هكذا يبدو وجه التدبير فى مثل هذه الحال ..
ولكن القرآن الكريم ، بدأ ـ كما نرى ـ من حيث انتهى التدبير البشرى .. فتحدث عن القوم بأنهم أحكموا إغلاق ما بداخلهم ، قبل أن يحكموا إغلاق المنافذ الخارجية التي يمكن الوصول منها إلى هذا الذي فى الداخل : (وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ) فما سر هذا؟
السر فى هذا ـ والله أعلم ـ هو أن القوم لم يكونوا مع القرآن الكريم فى سعة من أمرهم ، وفى فسحة من الوقت للاختيار ، والتدبير ..
فلقد كان لهم مع القرآن الكريم لقاء من قبل أن يحكموا أمرهم معه ، ويلقوه بالتدبير الذي يرونه .. وكانت الكلمات التي سمعوها من القرآن الكريم ذات قوة نفاذة هزت قلوبهم من أقطارها ، وكادت تستولى
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١٢ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3355_altafsir-alqurani-lilquran-12%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
