وقوله تعالى : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ) ـ إشارة إلى أن الأعمال ، الحسنة ، تعطى ثمرة حسنة معجلة فى هذه الدنيا إلى ما تعطيه من حسنات كثيرة فى الآخرة .. فالعمل الحسن هو حسن فى ذاته ، لا يجىء منه إلا ما هو حسن .. وهذا من شأنه أن يضمن للمحسنين حياة طيبة معه فى الدنيا ـ مع صرف النظر ـ عما يكون له من آثار طيبة فيما وراء هذه الدنيا .. وبهذا. الحساب يرى المحسنون أنهم غير مغبونين فى تعاملهم بالإحسان فى دنياهم ، وأنهم ـ وبصرف النظر عن الحياة الأخرى ، وبمعزل عنها ـ ينالون بإحسانهم حياة طيبة ، ويجدونها فى راحة الضمير ، وصفاء النفس ، وإن لم يجدوها فيما يحصّلون من متاع مادى ، وشهوات عاجلة لا تلبث أن تخمد ، فلا يجد المرء لها أثرا ..
وفى إفراد كلمة «حسنة» وتنكيرها ، إشارة إلى أن ما يجزى به المحسنون بإحسانهم فى الدنيا ، هو قليل قليل بالإضافة إلى ما يجزون به فى الآخرة ..
وقوله تعالى : (وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ) ـ إشارة إلى أن المؤمن قد لا يجد فى مكان ما سبيلا إلى العمل ، وإلى الغرس فى مغارس الإحسان ، حيث تكون الأرض التي يعيش فيها أرضا خبيثة ، لا تمسك ماء ، ولا تنبث نباتا .. وهنا ينبغى على المؤمن أن يتحول عن هذه الأرض ، إلى غيرها ، مما هو طيب صالح. فأرض الله واسعة ، وكما أن فيها الخبيث النكد ، ففيها الطيب الكريم ..
وفى هذا ، دعوة للمؤمنين الذين كانوا يعيشون فى مكة قبل الهجرة ، محاصرين من المشركين ، لا يستطيعون أن يعطوا إيمانهم حقه ، ولا أن يفجروا ينابيع الخير منه ـ فى هذا دعوة لهم أن يتحولوا عن هذا الموقع من الأرض إلى أرض أخرى ، حيث تطيب فيها مغارسهم ، وحيث يرفعون مصابيح الهدى التي بين أيديهم ، فتملأ الدنيا من حولهم هدى ونورا .. وقد كان ، فهاجر المؤمنون
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١٢ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3355_altafsir-alqurani-lilquran-12%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
