ذلك كذلك ، لما استحق أن يكون خليفة الله فيها .. ولكن هذا يشير إلى أن أصل الخلقة الموجودات كلها ، ومنها الأرض ، قائم على الصحة والسلامة ، شأنها في هذا شأن الإنسان في أصل خلقه ، وما أودع فيه الخالق ـ جل وعلا ـ من فطرة سليمة .. وكما أفسد كثير من الناس فطرتهم ، أفسد الناس كذلك فطرة الطبيعة ، واتخذوا كثيرا من أدواتها الصالحة النافعة أدوات للإفساد ، والتدمير .. وإلى هذا المعنى يشير المتنبي بقوله :
|
كلّما أنبت الزمان قناة |
|
ركّب المرء في القناة سنانا |
ومع هذا ، فإنه لا ينكر فضل الإنسان وآثاره العظيمة في هذه الدنيا ، وما أقام على وجه الأرض ، من عمران ، وما أحدث ، من حضارات.
وقوله تعالى : (بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) ـ إشارة إلى أن هذا الفساد والاعوجاج الذي ظهر على هذه الأرض ، هو مما كسبته أيدى الناس ، فهو من صنعهم ، ومن فعل إرادتهم الحرة .. ولهذا ، فهم محاسبون عليه ، مؤاخذون به .. فالباء هنا للسببية ، أي بسبب ما كسبت أيديهم ...
وفي قوله تعالى : (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا) ـ تقرير لتلك الحقيقة ، وهى أن ما يعمله الناس ، هو محسوب عليهم ، مجزبّون به ، من خير أو شر ... وليس كذلك ما تعمله الكائنات الأخرى التي تعيش مع الناس على هذه الأرض .. إن ما تعمله لا إرادة لها فيه ، شأنها في هذا شأن البذرة تدفن في الثرى ، فيخرج منها ما في طبيعتها من زهر وثمر ..
ومن هنا كانت مسئولية الإنسان عن كل عمل يعمله ، ليذوق ثمر ما يعمل ، حلوا كان أو مرا .. (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) (٣٩ : النجم).
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١١ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3353_altafsir-alqurani-lilquran-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
