إليها ، حتى لكأن بينها وبينهم ترة وثأرا .. فما أن تلمحهم من بعيد ، حتى يفور فائرها ، ويموج مائجها .. حتى إذا بلغوها ، وألقوا منها في مكان ضيق خانق ، أطبقت عليهم ، فضاقت أنفسهم ، واختنقت أنفاسهم ، وتنادوا بالويل والثبور .. فقالوا : يا ويلنا ، يا ضيعتنا ، يا سوء مصيرنا .. ثم لا يجدون لهذا الاستصراخ من يسمع أو يجيب ، وصوت الحال يقول لهم : (لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً) إن صراخكم سيطول ، وإن عويلكم لا ينتهى .. ولن ينفعكم صراخ أو عويل!
ـ وقوله تعالى : (مُقَرَّنِينَ) إشارة إلى ما يؤخذ به الظالمون من إذلال وهوان ، وأنهم إذ يساقون إلى جهنم ، وإذ يلقون فيها ، فإنما يحزمون كحزم الحطب ، ويقرن بعضهم إلى بعض كما يقرن القطيع من الحيوان ..
قوله تعالى :
(قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً* لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً).
أفهذا العذاب الأليم والهوان المهين الذي ستجدونه يوم القيامة أيها الضالون المكذبون ، أم جنة الخلد التي وعدها الله المتقين من عباده؟. فذلك هو جزاؤهم ، وهذا هو مصيرهم ، إنها جنة الخلد ، أعدها الله سبحانه وتعالى لعباده المتقين ، وأعد لهم فيها ما يشاءون من نعيم خالد ، لا ينفد ـ أفذلك الذي أنتم فيه أيها الضالون ، خير ، أم هذا النعيم المقيم؟ ألا فذوقوا هذا العذاب ، وانعموا به ، واسكنوا إليه ، كما كنتم تحيون مع آلهتكم وتسكنون إليهم!
ـ وفي قوله تعالى : (كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً) ـ إشارة إلى أن هذا النعيم الذي وعده الله عباده المؤمنين المتقين ، هو وعد أوجب الله سبحانه
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٩ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3351_altafsir-alqurani-lilquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
