(أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (٩٩ : يونس) ..
هكذا كان يعيش النبىّ مع قومه ، فى عطفه ورحمته ، وهم فى غلظتهم وسفاهتهم .. وهكذا كانت تنزل عليه آيات ربه ، تدعوه إلى الترفق بنفسه ، والتخفف من حرصه .. وهو ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بما ملأ الله به قلبه من رحمة ، لا يكاد يمسك من نفسه هذا التيار المتدفق من الرحمة والحنان ، حتى تغلبه رحمته ، وإذا هو على هذا الطريق المسدود .. يهتف ولا مجيب ، وينادى ولا مستمع!
ـ وفى قوله تعالى : (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) أكثر من نصح للنبىّ ، إلى الرفق بنفسه .. بل إنه شىء أقرب إلى العتاب واللوم .. ولكنه عتاب فى مقام الفضل والإحسان ، ولوم فى موطن المبالغة فى الفضل والإحسان ، شبيه بقوله : تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ) (١ : التحريم) ..
فالقرآن الكريم هو رحمة الله المنزلة على عباده .. فكيف يشقى به النبىّ ، ويحمل منه هذا العبء الثقيل الذي تنوء به الجبال؟ كيف هذا ، وهو الذي من حقّه أن يأخذ من هذه الرحمة النصيب الأوفى ، والحظ الأعظم؟
إن الله سبحانه وتعالى ، ما أنزل عليه القرآن الكريم ، ولا اختصه به ، إلا ليسكن به فى قلبه السكينة والمسرة ، وإلا ليملأ به كيانه روحا ، وأنسا ..! فكيف يشقى به ، ويحمل منه هذا العناء الشديد؟
ـ (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) فرفقا بنفسك ، ودع هؤلاء الغواة الضالين وشأنهم ، بعد أن بلغتهم رسالة ربك ..
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٨ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3350_altafsir-alqurani-lilquran-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
