وثانيا : وصف البغي بأنه بغى بغير الحق ، مع أن البغي لا يكون إلا عدوانا على الحق ، وخروجا عليه .. فكيف يلحقه هذا الوصف ، الذي يفهم منه أن هناك بغيا بحق ، وبغيا بغير حق؟
ذكرنا جوابا عن مثل هذا ، عند تفسير قوله تعالى : (وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) (١٨١ : آل عمران).
والجواب هنا ، هو أن وصف بغيهم بأنه بغى بغير الحق ، فيه تغليظ لهذا البغي ، وإلقاء مزيد من القبح على وجهه القبيح ..
فالبغى فى ذاته جريمة منكرة شنعاء ..
ولكنّه من أهل البغي ، شىء لا يكاد ينكر عليهم ، ولا يستغرب منهم.
وإذن فهو محتاج إلى أن يكون أكثر من بغى حتى ينكر عليهم ، ويذمّ منهم ..
فهذا البغي منهم هنا .. هو بغى على وصف خاصّ .. بغى بغير حقّ حتى عند أهل البغي أنفسهم ، وهذا يعنى أنه بغى شنيع غليظ ، بين صور البغي كلها.
وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ) نداء للناس جميعا ، وإعلان لهم كلهم ـ برّهم وفاجرهم ـ بأن البغي والعدوان ، والخروج على حدود الله ، هو بغى وعدوان واقع عليهم ، وآخذ بنواصيهم .. كما يقول سبحانه وتعالى : (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ) (٤٤ : الروم)
وفى قوله تعالى : (مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا) .. قرئ «متاع» بالنصب والرفع .. وعلى النصب ـ وهى القراءة المشهورة ـ يكون مفعولا مطلقا لفعل محذوف ، تقديره ، تتمتعون متاع الحياة الدنيا ، وتكون الجملة حالا من ضمير المخاطبين فى قوله تعالى : (إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ) .. وعلى قراءة الرفع يكون خبرا لقوله تعالى : (بَغْيُكُمْ) و (عَلى أَنْفُسِكُمْ) متعلق بالمبتدأ ..
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٦ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3348_altafsir-alqurani-lilquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
