ـ وفى قوله تعالى : (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) .. اختلف النظم ، فى قوله سبحانه : (وَجَرَيْنَ بِهِمْ) فجاء على غير ما يقتضيه السياق .. وجىء بضمير الغائب ، بدلا من ضمير الحضور .. هكذا : «وجرين بكم» ..
فما سرّ هذا؟
تتحدث الآية الكريمة عن نعمة عامة شاملة من نعم الله ، وهى تسيير الفلك فى البحر ، كما يقول تعالى : (وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) (٦٥ : الحج) وكما يقول جل شأنه : (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ* لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) (١٢ ـ ١٣ : الزخرف).
وهذه النعمة ، لا يكفر بها الناس جميعا ، وإنما يجحدها ويكفر بها من لا يؤمن بالله .. وهم الذين ذكرهم القرآن الكريم بضمير الغائب ، بعد أن جاء التّذكير بالنعمة موجّها إلى الناس جميعا ـ ومنهم هؤلاء الكافرون ـ فى مواجهة وحضور .. وبهذا عزل الكافرون عن المجتمع الإنسانى ، وأبعدوا من مقام الحضور ، وحسبوا غائبين ، لا وجود لهم.
ـ وفى قوله تعالى : (إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ).
أولا : «إذا» الفجائية هنا ، تنبىء عن أن هؤلاء الكافرين ، لم يمسكوا بتلك المشاعر المتجهة إلى الله ، والضارعة إليه ، حين مسّهم الضر فى البحر ، إلا ريثما تلقى بهم الفلك إلى البرّ ، حتى إذا مسّت أقدامهم اليابسة انفصلوا عن تلك المشاعر ، وتخفّفوا منها ، ورجعوا مسرعين إلى ما كانوا فيه من كفر وضلال وعناد.
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٦ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3348_altafsir-alqurani-lilquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
