النهار ـ عند الضحى ـ وقد اكتملت أسباب الحياة ، واليقظة للناس ، وللحياة من حولهم ، وعندئذ يشهدون الهلاك عيانا ، وهم في أحسن أحوالهم من الاتصال بالحياة ، والأخذ بكل قواهم ، مما يطلبون ويشتهون منها ..
وكلا الضربتين من ضربات النقمة والبلاء ، تجىء فى وقت يجعل أثرها مضاعفا ، ووقعها مزعجا ، بالغ الغاية في الإزعاج.
إن النائم الذي استغرق فى النعاس ، لتزعجه الهمسة تطوف به ، حتى ليخيل إليه منها أنها صوت رعد قاصف ، أو هدير إعصار ثائر .. فكيف إذا كان ذلك بلاء نازلا من السماء يرمى بحجارة من سجيل ، أو عذابا فائرا من الأرض يرمى باللهب ، ويقذف بالحمم.
وإن الإنسان الذي لبس ثوب النهار ، واستروح أنسام الصباح ، واستحضر كل وجوده ليتصل بالحياة ، وليقيم وجهه على ما يشتهى منها ، ويمسك بكلتا يديه على ما يقدر عليه من لهوها وجدّها ـ إن مثل هذا الإنسان ليكرب أشدّ الكرب أن يعرض له فى تلك الحال ما يقطع عليه حبل اتصاله بالحياة ، أو يلفته عن طريقه الذي أخذه معها ـ فكيف إذا كان ذلك بلاء مدمرا يهلك الحرث والنسل ، ويطوى السهل والوعر ، ويأتى على كل ما جمع الجامعون ، وملك المالكون؟
واستمع مرة أخرى إلى قوله تعالى : (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ* أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ* أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ).
وانظر إلى أهل القرى ، وهم نائمون .. ثم انظر إليهم وقد جاءتهم الضربة القاضية ، فإذا هم بين يديها قيام ينظرون ، وكأنهم أصحاب القبور ، يوم ينفخ فى الصور فيقولون : يا ويلنا .. من بعثنا من مرقدنا؟
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٥ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3347_altafsir-alqurani-lilquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
