وقوله تعالى : (وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) هو كشف لحقيقة هؤلاء الكافرين ، وما فى أيديهم من مفتريات وأباطيل .. فإن أكثر هؤلاء الضالين لا يعقلون ، لأنهم لو عقلوا لما حملوا فى نفوسهم هذا التوقير لتلك الأباطيل ، ولرأوا أنهم قد أذلّوا أنفسهم ، واسترخصوا عقولهم ، فأعطوا ولاءهم لتلك الحيوانات ، وجعلوا لها سلطانا عليهم ، لا ينازعونها فيه ، ولا يخرجون عن حدوده معها.
وقوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا) .. هو تسفيه لأحلام هؤلاء الضالين .. فقد أطبق عليهم الجهل ، واشتمل عليهم السّفه والضلال. فليس مصيبة الإنسان فى أن يضلّ عن جهل ، أو يتعثّر من عشى أو عمى ، ولكن المصيبة كلها فى أن ينبّه من ضلاله ثم لا ينتبه ، ويقاد من يده فيأبى أن يتبع قائده .. إن ذلك هو الضلال المبين ، والتّيه الذي لا عودة منه ، ولا أمل فى نجاة وراءه.
فهؤلاء الضالون إذا دعاهم داعى الحق إلى أن يردّوا من شرودهم ، وإلى أن يعودوا إلى كتاب الله ، وما تحمل آياته البينات من هدى ونور ، وإلى رسول الله ، وما يحمل بين يديه وعلى شفتيه من أقباس الحق وأضوائه ـ إذا دعوا إلى هذا الهدى ، لوّوا رءوسهم ، ولووا وجوههم ، وقالوا ؛ «حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا» أي أن هذا الذي نحن فيه هو الخير لنا ، والسلامة لأنفسنا ولأهلينا .. إننا نحيا حياة آبائنا ، ونسعى سعيهم ، ونقفو آثارهم .. إننا ـ والحال كذلك ـ نسير على طريق معلوم ، مأنوس بخطو آبائنا وأجدادنا ، فكيف ندعى إلى السّير فى طريق لم يسلكه أحد قبلنا؟ وكيف نغامر هذه المغامرة بالدخول فى تلك التجربة الجديدة ، التي لا ندرى ما وراءها؟.
وقد ردّ القرآن الكريم على هذا السفه ، وهذا الجمود الغبيّ ، بما يفحم ويخرس. «أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون؟» .. أفهذا منطق
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٤ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3346_altafsir-alqurani-lilquran-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
