كان اليهود يحلمون بالخلاص من هذه الفواجع والمآسى التي كانوا يتقلّبون على جمرها ، بين الأسر والتشريد ..
ولقد كانت الضربات القاسية المدمرة تنزل بهم متلاحتة متعاقبة كما يتعاقب الليل والنهار .. فما يكادون يخلصون من محنة ، حتى تستقبلهم أكثر من محنة ـ ولهذا استبدّ بهم اليأس واستولى عليهم الجزع من توقعات الفواجع المباغتة وطلوع النوازل المهلكة .. فلم يكن لهم ـ والأمر كذلك ـ من أمل فى الخلاص ، إلا أن تتعلق آمالهم وأحلامهم بربّ الجنود «يهوه».
وقد امتلأت أسفار التوراة بالرّؤى والأحلام والتنبؤات التي تلقى إليهم من عالم الأوهام بحبال النجاة ، فيمدّون أيديهم إليها ، وهم يضطربون فى هذا البحر اللجىّ المتلاطم الأمواج ، فلا يجدون إلا سرابا ، لا تمسك أيديهم بشىء منه.
وكانوا كلما تطاول بهم الزمن ـ وهم فيما هم فيه من بلاء وهوان ـ أفسحت لهم الأسفار فى الآمال ، ووسعت لهم فى آفاق المستقبل المشرق المسعد فأرتهم الخلاص القريب ، وأطلّت عليهم بوجه المخلّص مقبلا بين عشية وضحاها!.
ولهذا باتوا يحلمون أحلاما ملحّة بأن عهد الشر هذا الذي خيّم على ربوعهم قد آن له أن يزول ، وأن عهدا جديدا سيشرق عليهم بصبحه ، وبهذا يقضى على عهد الشر والألم ، إما يتدخل الله نفسه ، وإما بإرسال ابنه أو ممثله المسيح إلى الأرض .. أو لم ينبىء به أشعيا قبل ذلك العهد ـ أي عهد المسيح عيسى ـ بمائة عام ، إذ يقول : «لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنا وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبا مشيرا إلها قديرا ، أبا أبديا ، رئيس السلام؟» (التوراة : سفر أشعياء) وكان كثير من اليهود يتفقون مع «أشعياء» فيما وصف به المسيح من أنه ملك دنيوى يولد من بيت داود الملكي ، ومنهم من يسمونه باسم «ابن الإنسان» كأخنوخ ودانيال ويصورونه بأنه سينزل من السماء!.
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٣ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3345_altafsir-alqurani-lilquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
