والذلّة التي وصف القرآن بها المسلمين هنا ليست ذلّة نفسيّة ، ولا ضعفا قلبيا ، وإنما هى ذلّة حاجة وعوز ، وقلة فى المال والرجال ، بحيث يخفّ ميزان أصحابها فى أعين الناس ، حين ينظرون إلى ظاهرهم هذا ..
فوصف المؤمنين بالذلّة هنا ، إنما هو وصف للحال الظاهر منهم للناس .. أما فى حقيقة أنفسهم ، فهم من إيمانهم بالله ، وثقتهم فيه ، وتوكلهم عليهم واستعلائهم على حاجات الجسد ، ومتاع الحياة ـ هم فى عزّة عزيزة ، تستخف بكل قوى المادة وعتوّها.
وقوله تعالى : (فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) تعقيب على هذه النعمة التي أنعم الله بها على النبىّ وأصحابه ، يوم بدر ، فمكّن لهم من رقاب أعدائهم ، ومنحهم النصر عليهم ، ذلك النصر الذي لم يتوقعه أحد ..
فحقّ على المؤمنين أن يزداد إيمانهم بالله ، وإقبالهم عليه ، حتى يبلغ بهم هذا الإيمان وذلك الإقبال منازل المتقين ، وعن هذه التقوى يكون الشكران لله على ما أنعم عليهم .. بل إن هذه التقوى فى صميمها هى شكران لله أعظم الشكران وأكمله ، فما شكر الله ، ولا حمده ، ولا عرف فضله وقدره من لم يتّقه حق تقواه ، فيأتى ما استطاع من أوامره ، ويجتنب ما استطاع من نواهيه. فإنه بغير التقوى تكون العبادات والطاعات مجرّد مظاهر جوفاء ، لا ثمرة لها ، ولا جزاء عليها .. والله سبحانه وتعالى يقول : (إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (٢٧ : المائدة).
وقوله سبحانه : (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ) هو عرض وتذكير لما كان فى يوم بدر من أمداد السماء للمسلمين ، حين بشرهم الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بأن الله ممدّهم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين من عالمهم العلوىّ ، ليشاركوا فى
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٢ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3344_altafsir-alqurani-lilquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
