أما اليهود ، فقد ارتضوا الجريمة مركبا ، فقتلوا أنفسهم ، وقتلوا الحق معهم .. وقالوا فى المسيح إنه ولد كما يولد الناس ، من ذكر وأنثى .. وإن كان ميلاده على فراش الإثم والفاحشة .. لأنه ابن زنا!
وأما أتباع المسيح ، فقد قصرت مداركهم عن إدراك قدرة الله ، فلم تحتمل عقولهم تلك الحقيقة ، وهى أن الله قادر على كل شىء ، يخلق ما يشاء ، مما يشاء ، وكيف يشاء! فقالوا : إن المسيح هو الله تجسد بشرا فى جسد عذراء .. وإذن فهو ميلاد صورىّ ، لأنه لم يولد إلا الله نفسه ، الذي كان موجودا بكماله الإلهى قبل هذا الميلاد! وإذن فلا مسيح ، وإنما هو الله تسمّى باسم بشرى ، كما لبس صورة بشرية .. وإذن فهى عملية أشبه بعملية الحلول التي آمن بها كثير من قدماء المصريين ، والبراهمة ، وغيرهم من الأمم .. فكما كان يحلّ الله فى ثور ، أو تمساح ، أو شجرة ، أو رجل .. حلّ فى جسد طفل ، وخرج وليدا من بطن امرأة.
وأما المسلمون ، فقد جاءهم القرآن بالخبر اليقين عن المسيح .. إنه خلق من خلق الله ، وإنه إنسان من الناس ، ولد بنفخة من روح الله ، كما ولد هذا الوجود كله بفيض من فيض الله!
وأقرب مثل لهذا. آدم ـ عليهالسلام ـ إنه خلق من غير أب أو أم .. خلق من تراب هامد ، لا أثر للحياة فيه .. وعيسى ـ عليهالسلام ـ خلق مولودا من كائن حىّ ، هى أمّه ، فأيهما أشدّ غرابة فى الخلق؟ الذي خلق من تراب هامد ، أم الذي تخلّق من جسد حىّ؟
وفى قوله تعالى : (ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ما يسأل عنه .. وهو : كيف يقول الله للشىء كن ، ثم لا يكون واقعا فى الحال ، كما يدل على ذلك قوله تعالى : (فَيَكُونُ) التي تدل على المستقبل المتراخى ، ولو كان ما أمر الله به
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٢ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3344_altafsir-alqurani-lilquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
