وما الذي أوردهم هذا المورد الوبيل ، فيقال لهم : (وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) أي أن هؤلاء الذين يتقلبون فى النار ، إنما هم من الذين ظلموا أنفسهم ، بأن حجبوها عن الإيمان ، وسبحوا بها فى ظلمات الكفر والضلال ، فهم إذن ظالمون. (وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ). ولن ينال رضا الله ، وينعم بنعيم جناته إلّا من رضى عنه وأحبّه!
ومما يسأل عنه فى هاتين الآيتين : كيف جاء الوعيد للذين كفروا فى صيغة المتكلم فى قوله تعالى : (فَأُعَذِّبُهُمْ) على حين جاء الوعد للذين آمنوا فى صيغة الغائب فى قوله سبحانه : (فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ).
والجواب ، هو أن الذين كفروا لم يؤمنوا بالله ، بل ولم يعترفوا بوجوده ، ومن هنا فإنهم لا يعرفونه ، ولا يتصورون له وجودا .. فكان من المناسب لتلك الحال أن يسمعهم الله صوته ، وأن يواجههم بالجريمة التي اقترفتها أيديهم ، ويلقاهم بالعذاب الذي هم أهل له .. وهذا أبلغ فى إلفات الكافرين إلى ما هم فيه من غفلة وضلال ، إذ يرون عذاب الله عيانا ، فى هذا النذير الذي ينذرهم الله مواجهة به ، (وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (٤٧ : الزمر)
أما المؤمنون فشأنهم مع الله على غير هذا .. إن الله معهم دائما يملأ قلوبهم ، ويعمر حياتهم ، ويرون قدرته وحكمته فى كل ما تتصل به حواسهم ، أو يتصوره خيالهم .. ومن ثم فإن ما بينهم وبين الله من معرفة لا يحتاج إلى إعلان .. إنهم آمنوا بالله عن غيب ، وصدّقوا ما جاءهم به الرّسل من عند الله ، فكان من المناسب لحالهم تلك أن يخاطبوا من الله بصيغة الغيبة .. تلك الغيبة التي هى حضور جلىّ فى قلوبهم ، وظهور باد فى كل ما أبدع الله وصوّر!
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٢ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3344_altafsir-alqurani-lilquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
