ذاتها آية من آيات الله .. وتعالت آيات الله أن تشاب بسوء ، وجلّت نعمه أن تختلط بكدر!
فالصوم عن الكلام هنا هو من تمام تلك النعمة ، التي تستأهل عظيم الحمد ، وجزيل الثناء ، ولهذا جاء توجيه الله تعالى لزكريا بقوله : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ) بعد أن جعل الصوم عن الكلام آية له ، شكرا على تلك العطية العظيمة ، وعلى الآية المصاحبة لها.
هذا ، ويمكن أن يعطى النظر فى الآية الكريمة معنى آخر ، وهو أن قوله تعالى لزكريا : (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً) هو إيحاء لزكريا بأنه ـ وهو مما خلق الله ـ يستطيع إذا تعطلت الأداة الطبيعية للتفاهم بينه وبين الناس ، وهى الكلام ، فإنه لا يعدم وسيلة أخرى يتفاهم بها ، ويجد منها ما يعوضه عن بعض ما فقد ، فيتخذ الرمز والإشارة عوضا عن الكلمة باللسان .. فإذا كان ذلك شأن الإنسان ، حيث يستطيع أن يخرج عن الأسباب المألوفة ، ويحقق بأسباب غيرها ما كان يحققه بها ، فإن قدرة الله ـ التي هى فوق نطاق الأسباب أبدا ـ أحق وأولى بألا تحتجزها الأسباب التي نراها مصاحبة للمسببات! وأنه إذا كان من مألوف الحياة الواقعة تحت حواسنا ألا تلد العقيم ، وألا يولد للشيخ الفاني ، فإن قدرة الله ـ إذا قضت حكمته ـ تجعل العقيم ولودا ، وتخلق من الشيخ الفاني بنين وبنات .. (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
____________________________________
الآيتان : (٤٢ ، ٤٣)
(وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٢ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3344_altafsir-alqurani-lilquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
