الشريعة شأنا من شئونها ، وحالا من أحوالها ، ودواء عتيدا ، يستطبّ به عند الحاجة ، ويؤخذ منه بالقدر المطلوب .. جرعة ، جرعة ، فإن ذهب هذا الدواء بالداء فى المرة الأولى ، لزم التوقف والإمساك ، وإلا كانت الجرعة الثانية ، فإن كان فيها الشفاء ، وإلا فالثالثة ، ولا بعدها! فقد عظم الداء ولا أمل فى الشفاء!
وقوله تعالى : (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) بيان لإجراء عملية الطلاق.
وكلمة الطلاق : لفظ ينطق به الزوج فى مواجهة الزوجة أو بعلمها به علما متيقنا نافيا للظن ، مرادا به فصم عرا الزوجية .. وكل لفظ يؤدى هذا المعنى هو طلاق .. أما إذا وقع على غير تلك الصورة فلا يعتدّ به ، ولا يحمل على محمل الجدّ فى فصم علاقة أراد الله لها الاستقرار والتمكين.
ثم هو «مرّتان» أي عمليتان ، أو عملية على مرحلتين .. ومن هنا كان القول بالطلاق جملة فى لفظة واحدة ، قولا بعيدا عن منطوق الآية ، مجانبا الصواب والحكمة اللذين هما مناط كل حكم من أحكام الشريعة.
ولفظ «مرّتان» دال دلالة صريحة فى منطوقه ومفهومه على التكرار ، مرّة ثم مرة .. وإذا طلق الرجل للمرّة الأولى ، فإنه يدخل فى تجربة نفسية وروحية وجسدية لأول مرة فى حياته مع المرأة التي اتخذ هذا القرار بشأنها. وفى هذه التجربة تعرض له خواطر وصور ، وربما امتد نظره فرأى طريقه موحشا مقفرا بغير هذا الرفيق الذي كان يصحبه ، وهنا كان من حكمة التشريع أن أعفاه من مغبة هذه التجربة ، فجعلها له ، يتعرف بها على ما هو مقدم عليه ، فيقدم أو يحجم ، بعد اختبار وتجربة ..
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3343_altafsir-alqurani-lilquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
