قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما). هذه إشارة حادّة من إشارات السماء ، إلى أمرين من أمور الجاهلية ، كانت حياتهم متلبسة بهما ، دائرة فى فلكهما ، وهما الخمر والميسر ، وقد كان هذان المنكران متلازمين ، لا يكاد يفترق أحدهما عن الآخر .. فحيث كان خمر كان معه ميسر ، وحيث كان قمار ومقامرة دارت كئوس الخمر ودارت معها رءوس النّدمان .. ولهذا قرنهما الله سبحانه فى هذا المقام .. الخمر والميسر ، ودمغهما بالإثم.
والحكم ـ كما ترى ـ أنهما يحملان فى كيانهما قدرا كبيرا من الإثم ، إلى جانب ما يحملان من نفع .. وإن كفة الإثم فيهما ترجح عن كفة النفع.
ويلاحظ أن التعبير بالإثم جاء فى مقابله لفظ النفع ، والنفع لا يقابل الإثم ، وإنما يقابل الضرّ .. وهذا يعنى أن الإثم ليس مجرد ذنب ومعصية ، يضاف حسابهما إلى الحياة الآخرة ، بحيث لا يجد من يقترفهما ممن لا يؤمن بهذه الحياة ما يضيمه أو يضيره ، بل إن هذا الإثم هو ذنب ومعصية يترصد صاحبه فى الآخرة ، ثم هو ضرر وشر يصيب مقترفة فى الدنيا .. ومعنى هذا أن صاحب الخمر والميسر إن كان لا يؤمن بالحياة الآخرة ولا يخاف مأثما منهما ، فإنّ ما فيهما من ضرر يصيبه فى حياته الدنيا .. فى جسده وماله ، جدير به أن يخيفه ويزعجه ، ويقيمه منهما على حذر وتخوف ، فكيف بصاحب الدّين الذي ينظر إلى هذين المنكرين وقد أصاباه فى دينه وفى دنياه جميعا؟.
هذا ، وليس جمع «المنافع» بالذي يرجّح كفة الشر على الخير ، فى جانب الخمر والميسر ، فإن هذا الجمع لا يتجه إلى النفع فى ذاته وقدره ، وإنما هو لتعدد وجوه الناس فى التماس الكسب منهما .. فمن صانع للخمر ، إلى جالب لها ، إلى بائع ، إلى ساق ، إلى مغنّ فى حانها .. إلى غير ذلك ممن يعملون للخمر
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3343_altafsir-alqurani-lilquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
