فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) ما يكشف للمسلمين عن نوايا العدوان التي يبيتها لهم المشركون ، وأنهم مصرّون على قتالهم حتى يبلغوا منهم ما يريدون ، وهو ارتدادهم عن دينهم ، وعودتهم إلى ما كانوا عليه من شرك ، ما وجدوا إلى ذلك سبيلا ، وما مكّن لهم ضعاف الإيمان من تحقيق ما أرادوا.
ثم يتوعد الله سبحانه وتعالى أولئك الذين دخلوا فى الإسلام ، ثم لما أن مسّهم شىء من البأساء والضراء ، ارتدوا على أدبارهم ، وارتدوا لباس الشرك من جديد ـ توعدهم سبحانه بالبوار والخسران فى الدنيا ، والعذاب الأليم فى الآخرة : (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ).
وقوله تعالى (فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ) هو قيد وارد على الشرط فى قوله سبحانه : (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ) فالحكم الواقع على المرتد هنا ـ وهو خسران أعماله فى الدنيا وعذابه فى الآخرة ـ ليس على إطلاقه ، وإنما هو لمن ارتد ثم ثبت على ردته إلى أن مات .. أما من نظر إلى نفسه ، واستنقذها من الشرك ، وعاد إلى الإيمان بقلب سليم ، ونفس لوّامة ، فقد غسل حوبته بتوبته ، ومسح بنور إيمانه على ظلام شركه : (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً) (١١٠ : النساء).
وأما قوله سبحانه : (فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ..) فهو حكم على حياتهم وهم فى لباس الشرك ، بالبوار والخسران فى الدنيا والآخرة .. أما فى الدنيا فلأنهم يعملون فى تجارة خاسرة ، وإن خيّل إليهم أنهم قد ملئوا أيديهم من دنياهم ، وضمنوا السلامة فى أنفسهم وأهليهم وأموالهم ، فذلك كله إلى زوال. وأما فى الآخرة فلأنهم يساقون إليها وقد صفرت أيديهم من كل شىء يعود عليهم نفعه فى هذا اليوم ، فضلا عما يثقل ظهورهم من أوزار الشرك والضلال ..
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3343_altafsir-alqurani-lilquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
