المال سرا ، واستأذنت على عمارة ، فدخلت وسلّمت ، فردّ ردّا ضعيفا وقال : كيف أبوك؟ قلت : بخير ، يستسلفك لما نزل به ، فسكت ، فضاق بي موضعي ولعنته على تيهه وكبره ، فلم ألبث أن بعث عمارة مع رسوله مائة ألف ، وجمعنا في يومين ألفي ألف وسبعمائة ألف.
فو الله إني لعلى الجسر مارّا وأنا مهموم ، إذ وثب إليّ زاجر فقال فرخ (١) الطائر أخبرك ، فلم ألتفت إليه ، فتعلّق باللجام ، فقال : أنت والله مهموم ، وليفرّجنّ الله همّك ولتمرّن غدا هنا واللواء بين يديك ، فأقبلت أعجب منه ، فقال : فإن تم ذلك فلي خمسة آلاف درهم ، قلت : نعم ، ومضيت ، فورد على المنصور انتقاض الموصل ، وانتشار الأكراد بها ، فقال : من لها؟ فقال له المسيّب بن زهير ـ كان صديقنا ـ : عندي يا أمير المؤمنين رأي ، إنك لا تنتصحه وستلقاني بردّه ، قال : قل فلست أستغشّك ، قال : ما رميتها بمثل خالد بن برمك ، قال : ويحك! ويصلح لنا بعد ما أتينا إليه؟ قال : نعم وأنا ضامن له ، فأمر بإحضاره ، وصفح عن الثلاثمائة ألف الباقية ، وعقد له ، وأعطيت الزاجر خمسة آلاف ، وأمرني أبي بحمل المال وهي مائة ألف إلى عمارة ، فأتيته فوجدته على هيئة من البأو والكبر ، فسلّمت ، فما ردّ ، بل قال : كيف أبوك؟ فأخبرته ، وذكرت له ردّ المال ، فاستوى جالسا ، ثم قال : أكنت صيرفيّا لأبيك يأخذ مني إذا شاء ويردّ إذا شاء ، قم عني لا قمت! فرجعت إلى أبي فأعلمته فقال : أي بنيّ إنه عمارة ، ومن لا يعترض عليه.
وعن بعض المواصلة قال : ما هبنا أميرا قطّ ما هبنا خالد بن برمك.
واستعمل المهدي على أذربيجان يحيى بن خالد بن برمك ، واتّصلت ولايته بولاية أبيه ، وكان المنصور يقول : ولد الناس أبناء وولد خالد أبا.
__________________
(١) في نسخة القدسي ٦ / ١٦٣ «فرج» ، والتصحيح عن الطبري ٨ / ٥٤ ، وابن الأثير ٦ / ١٦.
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٩ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3341_tarikh-alislam-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
