فقال عبد الله بن المبارك كدخداي كارخويسن كن ينزل كيف يشاء. قال أبو سليمان رحمهالله : وإنما ينكر هذا وما أشبهه من الحديث من يقيس الأمور في ذلك بما يشاهده من النزول الذي هو نزلة من أعلى إلى أسفل ، وانتقال من فوق إلى تحت ، وهذا صفة الأجسام والأشباح ، فأما نزول من لا يستولي عليه صفات الأجسام فإن هذه المعاني غير متوهمة فيه ، وإنما هو خبر عن قدرته ورأفته بعباده ، وعطفه عليهم واستجابته دعاءهم ، ومغفرته لهم ، يفعل ما يشاء ، لا يتوجه على صفاته كيفية ولا على أفعاله كمية ، سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وقال أبو سليمان رحمهالله في معالم السنن : وهذا من العلم الذي أمرنا أن نؤمن بظاهره ، وأن لا نكشف عن باطنه ، وهو من جملة المتشابه ، ذكره الله تعالى في كتابه فقال (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) (١) الآية ، فالمحكم منه يقع به العلم الحقيقي والعمل ، والمتشابه يقع به الايمان والعلم الظاهر ، ويوكل باطنه إلى الله عزوجل ، وهو معنى قوله (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ) (٢) وإنما حظ الراسخين أن يقولوا آمنا به كل من عند ربنا. وكذلك ما جاء من هذا الباب في القرآن كقوله عزوجل (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ) (٣) وقوله (وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) (٤) والقول في جميع ذلك عند علماء السلف هو ما قلناه ، وروي مثل ذلك عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وقد زل بعض شيوخ أهل الحديث ممن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال ، فحاد عن هذه الطريقة حتى روى حديث النزول ، ثم أقبل على نفسه فقال : إن قال قائل كيف ينزل ربنا إلى السماء؟ قيل له ينزل كيف يشاء ، فإن قال : هل يتحرك إذا نزل؟ فقال : إن شاء يتحرك وإن شاء لم يتحرك ، وهذا خطأ فأحسن
__________________
(١) سورة آل عمران آية ٧.
(٢) سورة آل عمران آية ٧.
(٣) سورة البقرة آية ٢١٠.
(٤) سورة الفجر آية ٢٢.
