قال أبو سليمان الخطابي رحمهالله : أما الروح فقد اختلفوا فيما وقعت عنه المساءلة من الأرواح ، فقال بعضهم : الروح هاهنا جبريل عليهالسلام. وقال بعضهم : هو ملك من الملائكة بصفة وصفوها من عظم الخلقة. قال : وذهب أكثر أهل التأويل إلى أنهم سألوه عن الروح الذي به تكون حياة الجسد. وقال أهل النظر منهم : إنما سألوه عن كيفية الروح ومسلكه في بدن الإنسان ، وكيف امتزاجه بالجسم واتصال الحياة به. وهذا شيء لا يعلمه إلا الله عزوجل. وقد ثبت عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» (١). وقال : «أرواح الشهداء في صور طير خضر تعلق من ثمر الجنة» (٢). فأخبر أنها كانت منفصلة من الأبدان فاتصلت بها ، ثم انفصلت عنها. وهذا من صفة الأجسام.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، نا علي بن عيسى الحيري ، نا مسدد بن قطن ، نا عثمان بن أبي شيبة ، نا عبد الله بن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، عن إسماعيل بن أمية ، عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : لما أصيب إخوانكم بأحد ، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم ، قالوا : من يبلغ إخواننا عنا أنّا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ، ولا يتكلموا في الحرب؟ فقال الله : أنا أبلغهم عنكم. فأنزل الله عزوجل : (وَلا
__________________
(١) الحديث أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء ٢ باب الأرواح جنود مجندة ٣٣٣٦ عن يحيى بن سعيد عن عمرة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : وذكره. وأخرجه الإمام مسلم في كتاب البر ١٥٩ ـ ١٦٠ وأبو داود في كتاب الأدب ١٦ وأحمد بن حنبل في المسند ٢ : ٢٩٥ ، ٥٢٧ (حلبي).
(٢) الحديث أخرجه الإمام مسلم في كتاب الإمارة ٣٣ باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة ١٢١ (١٨٨٧) بسنده عن عبد الله بن مسعود قال : وذكره. وأخرجه أبو داود في كتاب الجهاد ٢٥ والترمذي في كتاب التفسير سورة ٣ : ١٩ وابن ماجة في كتاب الجنائز ٤ وأحمد بن حنبل في المسند ٦ : ٣٨٦ (حلبي).
