عباس وقتادة. والثاني : أن المعنى : قليل ما يؤمنون به. قال معمر : يؤمنون بقليل مما في أيديهم ، ويكافرون بأكثره. والثالث : أن المعنى : فما يؤمنون قليلا ولا كثيرا. ذكره ابن الأنباريّ ، وقال : هذا على لغة قوم من العرب ، يقولون : قلّما رأيت مثل هذا الرجل ، وهم يريدون : ما رأيت مثله. والرابع : فيؤمنون قليلا من الزمان ؛ كقوله تعالى : (آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ) (١) ، ذكره ابن الأنباريّ أيضا. والخامس : أن المعنى : فإيمانهم قليل ، ذكره ابن جرير الطّبريّ. وحكى في «ما» قولين : أحدهما : أنها زائدة. والثاني : أن «ما» تجمع جميع الأشياء ثم تخصّ بعض ما عمّته بما يذكر بعدها.
(وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠))
قوله تعالى : (وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ) ، يعني : القرآن. و (يَسْتَفْتِحُونَ) : يستنصرون. وكانت اليهود إذا قاتلت المشركين استنصروا باسم نبيّ الله محمد صلىاللهعليهوسلم (٢).
قوله تعالى : (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ) ، بئس : كلمة مستوفية لجميع الذم ، ونقيضها : «نعم». واشتروا ، بمعنى : باعوا ، والذي باعوها به قليل من الدنيا. قوله تعالى : (بَغْياً) قال قتادة : حسدا. ومعنى الكلام : كفروا بغيا ، لأن نزّل الله الفضل على النبيّ صلىاللهعليهوسلم.
وفي قوله تعالى : (بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ) خمسة أقوال : أحدها : أن الغضب الأول لاتخاذهم العجل ، والثاني : لكفرهم بمحمّد ، حكاه السّدّيّ عن ابن مسعود وابن عباس. والثاني : أن الأول
__________________
(١) آل عمران : ٧٢.
(٢) ورد في معناه روايات كثيرة منها ـ وهو ضعيف جدا ـ ما أخرجه الحاكم ٢ / ٢٦٣ عن ابن عباس قال : كانت يهود خيبر تقاتل غطفان ، فكلما التقوا هزمت يهود خيبر ، فعاذت اليهود بهذا الدّعاء ، وقالت : اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلّا نصرتنا عليهم.
قال : فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء ، فهزموا غطفان. فلما بعث النبي صلىاللهعليهوسلم كفروا به ، فأنزل الله تعالى : (وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) أي بك يا محمد ، إلى قوله (فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكافِرِينَ).
ـ وقال الحاكم : أدت الضرورة إلى إخراجه في التفسير ، وهو غريب من حديثه.
ـ وقال الذهبي : لا ضرورة لإخراجه في ذلك فعبد الملك متروك هالك.
وأخرجه الطبري ١٥٢٥ عن ابن عباس قال : (وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) ، يستنصرون بخروج محمد صلىاللهعليهوسلم على مشركي العرب ـ يعني بذلك أهل الكتاب ـ فلما بعث الله محمدا صلىاللهعليهوسلم ورأوه من غيرهم ، كفروا به وحسدوه.
ـ وله شواهد بمعناه ، أخرجه الطبري برقم ١٥٢٣ و ١٥٢٤ عن ابن عباس وبرقم ١٥٢٢ و ١٥٢٨ عن قتادة و ١٥٢٦ عن علي الأزدي و ١٥٢٩ عن أبي العالية و ١٥٣٠ عن السدي و ١٥٣١ عن ابن جريج.
ـ الخلاصة : هو خبر صحيح بلفظ الطبري ، وذلك بمجموع طرقه وشواهده ، وأما ما أخرجه الحاكم ، فهو ضعيف الإسناد جدا ، والمتن منكر.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
