أحدهما : أنها إشارة إلى المجروح ، فإذا تصدّق بالقصاص كفّر من ذنوبه ، وهو قول ابن مسعود ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، والحسن ، والشّعبيّ. والثاني : إشارة إلى الجارح إذا عفا عنه المجروح ، كفّر عنه ما جنى ، وهذا قول ابن عباس ، ومجاهد ، ومقاتل ، وهو محمول على أن الجاني تاب من جنايته ، لأنه إذا كان مصرّا فعقوبة الإصرار باقية.
(وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦))
قوله تعالى : (وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ) أي : وأتبعنا على آثار النّبيّين الذين أسلموا (بِعِيسَى) فجعلناه يقفو آثارهم (مُصَدِّقاً) أي : بعثناه مصدّقا (لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً) ليس هذا تكرار للأوّل ، لأنّ الأوّل لعيسى ، والثّاني للإنجيل ، لأنّ عيسى كان يدعو إلى التّصديق بالتّوراة ، والإنجيل أنزل وفيه ذكر التّصديق بالتّوراة.
(وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧))
قوله تعالى : (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ) قرأ الأكثرون بجزم اللام على معنى الأمر ، تقديره : وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه. وقرأ الأعمش ، وحمزة بكسر اللام ، وفتح الميم على معنى «كي» ، فكأنه قال : وآتيناه الإنجيل لكي يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه.
(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨))
قوله تعالى : (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) يعني القرآن (بِالْحَقِ) أي : بالصّدق (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ) قال ابن عباس : يريد كلّ كتاب أنزله الله تعالى.
وفي «المهيمن» أربعة أقوال : أحدها : أنه المؤيمن ، رواه التّميميّ عن ابن عباس ، وبه قال سعيد بن جبير. وعكرمة ، وعطاء ، والضّحّاك. وقال المبرّد : «مهيمن» في معنى : «مؤيمن» إلا أنّ الهاء بدل من الهمزة ، كما قالوا : أرقت الماء ، وهرقت ، وإيّاك وهيّاك. وأرباب هذا القول يقولون : المعنى : أنّ القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتاب. إلا أنّ ابن أبي نجيح روى عن مجاهد : ومهيمنا عليه. قال : محمّد مؤتمن على القرآن. فعلى قوله ، في الكلام محذوف ، كأنّه قال : وجعلناك يا محمّد مهيمنا عليه ، فتكون هاء «عليه» راجعة إلى القرآن. وعلى غير قول مجاهد ترجع إلى الكتاب المتقدّمة. والثاني : أنه الشّاهد ، رواه أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال الحسن ، وقتادة ، والسّدّيّ ، ومقاتل. والثالث : أنه المصدق على ما أخبر عن الكتاب ، وهذا قول ابن زيد ، وهو قريب من القول الأوّل. والرابع : أنه الرّقيب الحافظ ، قاله الخليل.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
