(لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨))
قوله تعالى : (لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ) في سبب نزولها قولان :
(٣٨٤) أحدهما : أنّ ضيفا تضيّف قوما فأساؤوا قراه فاشتكاهم ، فنزلت هذه الآية رخصة في أن يشكوا ، قاله مجاهد.
(٣٨٥) والثاني : أنّ رجلا نال من أبي بكر الصّدّيق والنبيّ صلىاللهعليهوسلم حاضر ، فسكت عنه أبو بكر مرارا ، ثم ردّ عليه ، فقام النبيّ صلىاللهعليهوسلم ، فقال أبو بكر : يا رسول الله شتمني فلم تقل له شيئا ، حتى إذا رددت عليه قمت؟! فقال : «إنّ ملكا كان يجيب عنك ، فلمّا رددت عليه ، ذهب الملك ، وجاء الشّيطان» فنزلت هذه الآية ، هذا قول مقاتل.
واختلف القرّاء في قراءة (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) فقرأ الجمهور بضم الظاء ، وكسر اللام. وقرأ عبد الله بن عمرو ، والحسن ، وابن المسيّب ، وأبو رجاء ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، والضّحّاك ، وزيد بن أسلم ، بفتحهما. فعلى قراءة الجمهور ، في معنى الكلام ثلاثة أقوال : أحدها : إلا أن يدعو المظلوم على من ظلمه ، فإنّ الله قد أرخص له ، قاله ابن عبّاس. والثاني : إلا أن ينتصر المظلوم من ظالمه ، قاله الحسن ، والسّدّي. والثالث : إلا أن يخبر المظلوم بظلم من ظلمه ، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد. وروى ابن جريج عنه قال : إلا أن يجهر الضّيف بذمّ من لم يضيّفه. فأمّا قراءة من فتح الظاء ، فقال ثعلب : هي مردودة على قوله تعالى : (ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ) إلّا من ظلم. وذكر الزجّاج فيها قولين : أحدهما : أنّ المعنى : إلّا أن الظّالم يجهر بالسّوء ظلما. والثاني : إلّا أن تجهروا بالسّوء للظّالم. فعلى هذا تكون «إلّا» في هذا المكان استثناء منقطعا ، ومعناها : لكن المظلوم يجوز له أن يجهر لظالمه بالسوء. ولكنّ الظّالم قد يجهر بالسوء. واجهروا له بالسوء. وقال ابن زيد : إلّا من ظلم ، أي : أقام على النّفاق ، فيجهر له بالسوء حتى ينزع.
قوله تعالى : (وَكانَ اللهُ سَمِيعاً) أي : لما تجهرون به من سوء القول (عَلِيماً) بما تخفون. وقيل : سميعا لقول المظلوم ، عليما بما في قلبه ، فليتّق الله ، ولا يقل الّا الحقّ. وقال الحسن : من ظلم ، فقد رخّص له أن يدعو على ظالمه من غير أن يعتدي ، مثل أن يقول : اللهمّ أعنّي عليه ، اللهمّ استخرج لي حقّي ، اللهمّ حل بينه وبين ما يريد.
____________________________________
(٣٨٤) ضعيف ، أخرجه عبد الرزاق ٦٥٤ والطبري ١٠٧٥٨ عن مجاهد مرسلا ، فهو ضعيف.
وذكره الواحدي في «أسباب النزول» ٣٧٣ بدون إسناد والبغوي في «التفسير» ١ / ٤٩٤ عن مجاهد.
(٣٨٥) عزاه المصنف لمقاتل ، وهو واه. وورد دون ذكر الآية ونزولها. أخرجه أبو داود ٤٨٩٦ عن سعيد بن المسيب مرسلا. وأخرجه برقم ٤٨٩٧ من طريق ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة بنحوه متصلا ، وإسناده حسن لأجل محمد بن عجلان. وقال المنذري في «الترغيب» ٤٠٥١ رواه أبو داود هكذا مرسلا ومتصلا من طريق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة بنحوه ، وذكر البخاري في تاريخه أن المرسل أصح. ولفظ مرسل سعيد بن المسيب : بينما رسول الله صلىاللهعليهوسلم جالس ومعه أصحابه وقع رجل بأبي بكر فآذاه ، فصمت عنه أبو بكر ، ثم آذاه الثانية ، فصمت عنه أبو بكر ثم آذاه الثالثة ، فانتصر منه أبو بكر ، فقام رسول الله صلىاللهعليهوسلم حين انتصر أبو بكر ، فقال أبو بكر : أوجدت علي يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم «نزل ملك من السماء يكذّبه بما قال لك ، فلما انتصرت وقع الشيطان ، فلم أكن لأجلس إذ وقع الشيطان».
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
