يحرّفون ، صفة ، ويكون الموصوف محذوفا ، وأنشد سيبويه :
|
وما الدّهر إلّا تارتان فمنهما |
|
أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح (١) |
والمعنى : فمنهما تارة أموت فيها. قال أبو عليّ الفارسيّ : والمعنى : وكفى بالله نصيرا من الذين هادوا ، أي : إنّ الله ينصر عليهم.
فأما «التّحريف» ، فهو التّغيير. و (الْكَلِمَ) : جمع كلمة. وقيل : إن «الكلام» مأخوذ من «الكلم» ، وهو الجرح الذي يشقّ الجلد واللحم ، فسمّي الكلام كلاما ، لأنه يشقّ الأسماع بوصوله إليها ، وقيل : بل لتشقيقه المعاني المطلوبة في أنواع الخطاب.
وفي معنى تحريفهم الكلم قولان : أحدهما : أنهم كانوا يسألون النبيّ صلىاللهعليهوسلم عن الشيء ، فإذا خرجوا ، حرّفوا كلامه ، قاله ابن عباس. والثاني : أنه تبديلهم التّوراة ، قاله مجاهد.
قوله تعالى : (عَنْ مَواضِعِهِ) ، أي : عن أماكنه ووجوهه.
قوله تعالى : (وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا) قال مجاهد : سمعنا قولك ، وعصينا أمرك.
قوله تعالى : (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) فيه قولان : أحدهما : أنّ معناه : اسمع لا سمعت ، قاله ابن عباس ، وابن زيد ، وابن قتيبة. والثاني : أنّ معناه : اسمع غير مقبول ما تقول ، قاله الحسن ، ومجاهد. وقد تقدّم في (البقرة) معنى : وراعنا.
قوله تعالى : (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) قال قتادة : «الليّ» : تحريك ألسنتهم بذلك. وقال ابن قتيبة معنى «ليّا بألسنتهم» : أنهم يحرّفون «راعنا» عن طريق المراعاة ، والانتظار إلى السّبّ والرّعونة. قال ابن عباس : (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ) ممّا بدّلوا (وَأَقْوَمَ) أي أعدل (وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ) بمحمّد.
قوله تعالى : (فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً) فيه قولان : أحدهما : فلا يؤمن منهم إلا قليل ، وهم عبد الله بن سلّام ، ومن تبعه ، قاله ابن عباس. والثاني : فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا ، قاله قتادة ، والزجّاج. قال مقاتل : وهو اعتقادهم أن الله خلقهم ورزقهم.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٤٧))
قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا) سبب نزولها :
(٢٩٦) أنّ النبيّ صلىاللهعليهوسلم دعا قوما من أحبار اليهود ، منهم عبد الله بن صوريا ، وكعب بن أسد إلى الإسلام ، وقال لهم : إنكم لتعلمون أنّ الذي جئت به حقّ ، فقالوا : ما نعرف ذلك ، فنزلت هذه الآية ، هذا قول ابن عباس.
____________________________________
(٢٩٦) ضعيف. أخرجه الطبري ٩٧٢٩ والبيهقي في «الدلائل» ٢ / ٥٣٤ من حديث ابن عباس ، وإسناده ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد. وانظر «تفسير القرطبي» ٢٢٧٠ بتخريجنا.
__________________
(١) البيت لتميم بن مقبل كما في «الكامل» ٣ / ٩٠٨ و «اللسان» مادة ـ كدح ـ والكدح : الاكتساب بمشقة.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
