قوله تعالى : (إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) فيه قولان : أحدهما : أن المعنى : لا تقربوا الصّلاة وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين غير واجدين للماء فتيمّموا ، وتصلّوا. وهذا المعنى مروي عن عليّ رضي الله عنه. ومجاهد ، والحكم ، وقتادة ، وابن زيد ، ومقاتل ، والفرّاء ، والزجّاج.
والثاني : لا تقربوا مواضع الصّلاة ـ وهي المساجد ـ وأنتم جنب إلّا مجتازين ، ولا تقعدوا. وهذا المعنى مرويّ عن ابن مسعود ، وأنس بن مالك ، والحسن ، وسعيد بن المسيّب ، وعكرمة ، وعطاء الخراسانيّ ، والزّهريّ ، وعمرو بن دينار ، وأبي الضّحى ، وأحمد ، والشّافعيّ ، وابن قتيبة (١). وعن ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، كالقولين ، فعلى القول الأوّل : «عابر السبيل» : المسافر ، وقربان الصّلاة :
__________________
لما اختلفوا ، وتأوله ابن عباس على الاحتلام ، أي إنما يجب الاغتسال بالماء من إنزال الماء في الاحتلام. ومتى لم يكن إنزال وإن رأى أنه يجامع فلا غسل. وهذا ما لا خلاف فيه بين كافة العلماء. وانظر «المغني» ١ / ٢٦٥ باب ما يوجب الغسل ففيه تفصيل وزيادة بيان.
(١) قال الإمام الموفق رحمهالله في «المغني» ١ / ١٩٩ ـ ٢٠١ : ولا يقرأ القرآن جنب ولا حائض ولا نفساء وليس لهم اللبث في المسجد لقوله تعالى : (وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا). وروت عائشة ، قالت : جاء النبي صلىاللهعليهوسلم ، وبيوت أصحابه شارعة في المسجد ، فقال : «وجهوا هذه البيوت عن المسجد ، فإني لا أحلّ المسجد لحائض ولا جنب» رواه أبو داود. ويباح العبور للحاجة ؛ من أخذ شيء أو تركه ، أو كون الطريق فيه ، فأما لغير ذلك فلا يجوز بحال. وممن نقلت عنه الرخصة في العبور : ابن مسعود ، وابن عباس ، وابن المسيب ، وابن جبير ، والحسن ، ومالك والشافعي. وقال الثوري وإسحاق : لا يمر في المسجد إلا أن لا يجد بدّا ، فيتيمم. وهو قول أصحاب الرأي ، لقول النبي صلىاللهعليهوسلم : «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» ، ولنا قول الله تعالى : (إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) والاستثناء من المنهي عنه إباحة ، وعن عائشة ، أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال لها : «ناوليني الخمرة من المسجد». قالت : إني حائض ، قال : «إن حيضتك ليست في يدك» رواه مسلم. وعن جابر قال : كنا نمرّ في المسجد ونحن جنب. رواه ابن المنذر. وعن زيد بن أسلم ، قال : كان أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم يمشون في المسجد وهم جنب. رواه ابن المنذر أيضا. وهذا إشارة إلى جميعهم فيكون إجماعا. وإن خاف الجنب على نفسه أو ماله ، أو لم يمكنه الخروج من المسجد ، أو لم يجد مكانا غيره ، أو لم يمكنه الغسل ولا الوضوء ، تيمم ، ثم أقام في المسجد ، وقال بعض أصحابنا : يلبث بغير تيمم ، لأن التيمم لا يرفع الحدث. وهذا غير صحيح ، لأنه يخالف قول من سمينا من الصحابة ، ولأن هذا أمر يشترط له الطهارة فوجب التيمم له عند العجز عنها ، كالصلاة وسائر ما يشترط له الطهارة. وقولهم : لا يرفع الحدث. قلنا : إلا أنه يقوم مقام ما يرفع الحدث ، في إباحة ما يستباح به. إذا توضأ الجنب فله اللبث في المسجد في قول أصحابنا وإسحاق. وقال أكثر أهل العلم : لا يجوز ، للآية والخبر. واحتج أصحابنا بما روي عن زيد بن أسلم ، قال : كان أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، يتحدثون في المسجد على غير وضوء وكان الرجل يكون جنبا فيتوضأ ، ثم يدخل ، فيتحدّث. وهذا إشارة إلى جميعهم ، فيكون إجماعا يخصّ به العموم ، ولأنه إذا توضأ خفّ حكم الحدث فأشبه التيمم عند عدم الماء ، ودليل خفته أمر النبي صلىاللهعليهوسلم الجنب به إذا أراد النوم ، واستحبابه لمن أراد الأكل ومعاوده الوطء. أما الحائض فلا يباح لها اللبث ، لأن وضوءها لا يصح. وأما المستحاضة ومن به سلس البول ، فلهم اللبث في المسجد والعبور إذا أمنوا تلويث المسجد ، لما روي عن عائشة ، أن امرأة من أزواج رسول الله صلىاللهعليهوسلم اعتكفت معه وهي مستحاضة ، فكانت ترى الخمرة والصفرة ، وربما وضعت الطست تحتها وهي تصلي. رواه البخاري. ولأنه حدث لا يمنع الصلاة فلم يمنع اللبث ، كخروج الدم اليسير من أنفه. فإن خاف تلويث المسجد فليس له العبور ، فإن المسجد يصان عن هذا ، كما يصان عن البول فيه. ولو خشيت الحائض تلويث المسجد بالعبور فيه لم يكن لها ذلك.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
