قال الزجّاج : ومعنى قوله تعالى : (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَ) فما نكحتموهنّ على الشّريطة التي جرت ، وهو قوله : (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ) أي : عاقدين التّزويج (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) أي : مهورهنّ. ومن ذهب في الآية إلى غير هذا ، فقد أخطأ ، وجهل اللغة.
قوله تعالى : (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) فيه ستة أقوال :
أحدها : أن معناه : لا جناح عليكم فيما تركته المرأة من صداقها ، ووهبته لزوجها ، هذا مروي عن ابن عباس ، وابن زيد. والثاني : ولا جناح عليكم فما تراضيتم به من مقام ، أو فرقة بعد أداء الفريضة ، روي عن ابن عباس أيضا. والثالث : ولا جناح عليكم أيها الأزواج إذا أعسرتم بعد الفرض لنسائكم فيما تراضيتم به من أن ينقصنكم ، أو يبرّئنكم ، قاله أبو سليمان التّيميّ. والرابع : لا جناح عليكم إذا انقضى أجل المتعة أن يزدنكم في الأجل ، وتزيدونهنّ في الأجر من غير استبراء ، قاله السّدّيّ ، وهو يعود إلى قصة المتعة. والخامس : لا جناح عليكم أن تهب المرأة للرجل مهرها ، أو يهب هو للتي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب عليه. قاله الزجّاج. والسادس : أنه عامّ في الزّيادة ، والنّقصان ، والتّأخير ، والإبراء ، قاله القاضي أبو يعلى (١).
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥))
قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً) «الطّول» : الغنى والسّعة في قول الجماعة. و «المحصنات» : الحرائر ، قال الزجّاج : والمعنى : من لم يقدر على مهر الحرّة ، يقال : قد طال فلان طولا على فلان ، أي : كان له فضل عليه في القدرة. والمراد بالفتيات هاهنا : المملوكات ، يقال : للأمة : فتاة ، وللعبد : فتى ، وقد سمّي بهذا الاسم من ليس بمملوك. قرأت على شيخنا الإمام أبي منصور اللّغويّ قال : المتفتّية : الفتاة والمراهقة ، ويقال للجارية الحدثة : فتاة ، وللغلام : فتى. قال القتيبيّ : وليس الفتى بمعنى الشاب والحدث ، إنما هو بمعنى الكامل الجزل من الرّجال.
فأما ذكر الإيمان ، فشرط في إباحتهنّ ، ولا يجوز نكاح الأمة الكتابيّة ، هذا قول الجمهور ، وقال أبو حنيفة : يجوز.
__________________
(١) قال أبو جعفر الطبري رحمهالله في «تفسيره» ٤ / ١٦ : وأولى هذه الأقوال بالصواب ، قول من قال : معنى ذلك : ولا حرج عليكم ، أيها الناس ، فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم من بعد إعطائهن أجورهن على النكاح الذي جرى بينكم وبينهن من حط ما وجب لهن عليكم ، أو إبراء ، أو تأخير ووضع. وذلك نظير قوله جل ثناؤه (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) النساء : ٤.
فأما الذي قاله السدي ، فقول لا معنى له ، لفساد القول بإحلال جماع امرأة بغير نكاح ولا ملك يمين.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
