وفي «القريب» ثلاثة أقوال : أحدها : أنه التّوبة في الصّحة ، رواه أبو صالح ، عن ابن عباس ، وبه قال السّدّيّ ، وابن السّائب. والثاني : أنه التّوبة قبل معاينة ملك الموت. رواه ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وبه قال أبو مجلز. والثالث : أنه التّوبة قبل الموت ، وبه قال ابن زيد في آخرين.
(وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨))
قوله تعالى : (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) في السيئات ثلاثة أقوال : أحدها : الشّرك ، قاله ابن عباس ، وعكرمة. والثاني : أنها النّفاق ، قاله أبو العالية ، وسعيد بن جبير. والثالث : أنها سيئات المسلمين ، قاله سفيان الثّوريّ ، واحتجّ بقوله تعالى : (وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ).
قوله تعالى : (حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) في الحضور قولان : أحدهما : أنه السّوق (١) ، قاله ابن عمر. والثاني : أنه معاينة الملائكة لقبض الرّوح ، قاله أبو سليمان الدّمشقيّ. وقد روى عليّ بن أبي طلحة ، عن ابن عباس أنه قال : أنزل الله تعالى بعد هذه الآية (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) (٢) الآية. فحرّم المغفرة على من مات مشركا ، وأرجا أهل التّوحيد إلى مشيئته ، فعلى هذا تكون منسوخة في حقّ المؤمنين.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩))
قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً).
(٢٦٤) سبب نزولها : أنّ الرّجل كان إذا مات ، كان أولياؤه أحقّ بامرأته ، إن شاؤوا زوّجوها ، وإن شاؤوا لم يزوّجوها ، فنزلت هذه الآية. قاله ابن عباس. وقال في رواية أخرى : كانوا في أوّل الإسلام إذا مات الرجل ، قام أقرب الناس منه ، فيلقي على امرأته ثوبا ، فيرث نكاحها. وقال مجاهد : كان إذا توفّي الرجل ، فابنه الأكبر أحقّ بامرأته ، فينكحها إن شاء ، أو ينكحها من شاء.
(٢٦٥) وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف : لمّا توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوّج امرأته من بعده ، وكان ذلك لهم في الجاهليّة ، فنزلت هذه الآية.
____________________________________
(٢٦٤) صحيح. أخرجه البخاري ٤٥٧٩ و ٦٩٤٨ وأبو داود ٢٠٨٩ والنسائي في «التفسير» ١١٤ والطبري ٨٨٧٠ والبيهقي ٧ / ١٣٨ والواحدي في «الأسباب» ٢٩٩ عن ابن عباس.
(٢٦٥) حسن ، أخرجه النسائي في تفسيره ١١٥ والطبري ٨٨٧١ عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف وحسّن إسناده الحافظ في «الفتح» ٨ / ٢٤٧ ، وهو كما قال. وله شاهد من مرسل عكرمة ، أخرجه الطبري ٨٨٧٤.
__________________
(١) في «اللسان» : السّوق أي الموت والسّياق : نزع الروح كأن روحه تساق لتخرج من بدنه.
(٢) النساء : ١١٦.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
