(وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١))
قوله تعالى : (وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) قد سبق الكلام في المتعة بما فيه كفاية.
(كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢))
قوله تعالى : (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ) ، أي : كما بين الذي تقدم من الأحكام (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي : يثبت لكم وصف العقلاء باستعمال ما بيّن لكم ، وثمرة العقل استعمال الأشياء المستقيمة ، ألا ترى إلى قوله تعالى : (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ) (١) ، وإنما سموا جهّالا لأنهم آثروا أهواءهم على ما علموا أنه الحق.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣))
قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) ، معناه : ألم تعلم. قال ابن قتيبة : وهذا على جهة التعجّب ، كما تقول : ألا ترى إلى ما يصنع فلان؟ قوله تعالى : (وَهُمْ أُلُوفٌ) فيه قولان : أحدهما : أن معناه : وهم مؤتلفون ، قاله ابن زيد. والثاني : أنه من العدد ، وعليه العلماء. واختلفوا في عددهم على سبعة أقوال : أحدها : أنهم كانوا أربعة آلاف. والثاني : أربعين ألفا ، والقولان عن ابن عباس. والثالث : تسعين ألفا ، قاله عطاء بن أبي رباح. والرابع : سبعة آلاف ، قاله أبو صالح. والخامس : ثلاثين ألفا ، قاله أبو مالك. والسادس : بضعة وثلاثين ألفا ، قاله السّدّيّ. والسابع : ثمانية آلاف ، قاله مقاتل. وفي معنى : حذرهم من الموت ، قولان : أحدهما : أنهم فرّوا من الطّاعون ، وكان قد نزل بهم ، قاله الحسن ، والسّدّيّ. والثاني : أنهم أمروا بالجهاد ، ففرّوا منه ، قاله عكرمة ، والضحّاك ، وعن ابن عباس ، كالقولين.
الإشارة إلى قصّتهم
روى حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف قال : كانت أمّة من بني إسرائيل إذا وقع فيهم الوجع ، خرج أغنياؤهم ، وأقام فقراؤهم ، فمات الذين أقاموا ، ونجا الذين خرجوا ، فقال الأشراف : لو
__________________
ولكان قد كان لورثتهم إخراجهنّ قبل الحول ، وقد قال الله تعالى ذكره : (غَيْرَ إِخْراجٍ) ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما ظنه في تأويله قارئه : (وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ) بمعنى : أنّ الله تعالى كان أمر أزواجهن بالوصية لهنّ.
وإنما تأويل ذلك : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ، كتب الله لأزواجهم عليكم وصية منه لهن أيها المؤمنون ـ أن لا تخرجوهن من منازل أزواجهن حولا كما قال تعالى ذكره في «سورة النساء» (غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ) [النساء : ١٢] ثم ترك ذكر «كتب الله» اكتفاء بدلالة الكلام عليه ، ورفعت «الوصية» بالمعنى الذي قلنا قبل. فإن قال قائل : فهل يجوز نصب (الْوَصِيَّةُ) على الحال ، بمعنى : موصّين لهنّ وصية؟ قيل : لا ، لأن ذلك إنما كان يكون جائزا لو تقدم «الوصية» من الكلام ما يصلح أن تكون الوصية خارجة منه فأما ولم يتقدمه ما يحسن أن تكون منصوبة بخروجها منها فغير جائز نصبها بذلك المعنى.
(١) النساء : ١٧.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
