والثاني : في ترك منعهنّ من الخروج ، لأنه لم يكن مقامها الحول واجبا عليها ، بل كانت مخيّرة في ذلك.
(١٣٠) فصل : ذكر علماء التفسير أن أهل الجاهلية كان إذا مات أحدهم ، مكثت زوجته في بيته حولا ، ينفق عليها من ميراثه ، فإذا تمّ الحول ، خرجت إلى باب بيتها ، ومعها بعرة ، فرمت بها كلبا ، وخرجت بذلك من عدّتها. وكان معنى رميها بالبعرة أنها تقول : مكثي بعد وفاة زوجي أهون عندي من هذه البعرة. ثم جاء الإسلام ، فأقرّهم على ما كانوا عليه من مكث الحول بهذه الآية ، ثم نسخ ذلك بالآية المتقدّمة في نظم القرآن على هذه الآية ، وهي قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً).
ونسخ الأمر بالوصية لها بما فرض لها من ميراثه (١).
____________________________________
(١٣٠) ورد هذا المعنى في حديث مرفوع : «قالت زينب : سمعت أمي أم سلمة تقول جاءت امرأة إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقالت : يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عيناها فنكحّلها؟ فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «لا» مرتين أو ثلاثا ، كل ذلك يقول : «لا إنما هي أربعة أشهر وعشر ، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول». أخرجه البخاري ٥٣٣٤ ومسلم ١٤٨٦ وأبو داود ٢٢٩٩ والترمذي ١١٩٥ و ١١٩٦ و ١١٩٧ والنسائي ٦ / ٢٠١ والشافعي ٢ / ٦١ والبيهقي ٧ / ٤٣٧ وعبد الرزاق ١٢١٣٠.
__________________
(١) قال الطبري في تفسيره ٢ / ٥٩٣ وقرأ آخرون : «وصيّة لأزواجهم» برفع «الوصية» ثم اختلف أهل العربية في وجه رفع «الوصية» فقال بعضهم : رفعت بمعنى : كتبت عليهم الوصية واعتل في ذلك بأنها كذلك في قراءة عبد الله فتأويل الكلام على ما قاله هذا القائل : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ، كتبت عليهم وصية لأزواجهم ـ ثم ترك ذكر «كتبت» ورفعت «الوصية» بذلك المعنى ، وإن كان متروكا ذكره. وقال آخرون منهم :
بل «الوصية» مرفوعة بقوله (لِأَزْواجِهِمْ) فتأوّل : لأزواجهم وصية. والقول الأول أولى بالصواب في ذلك وهو أن تكون «الوصية» إذا رفعت مرفوعة بمعنى : كتب عليكم وصية لأزواجكم. لأن العرب تضمر النكرات مرافعها قبلها إذا أضمرت ، فإذا أظهرت بدأت به قبلها ، فتقول : جاءني رجل اليوم» ، وإذا قالوا : «رجل جاءني اليوم» لم يكادوا يقولونه إلّا والرجل حاضر يشيرون إليه ب «هذا» أو غائب قد علم المخبر عنه خبره ، أو كحذف «هذا» وإضماره وإن حذفوه لمعرفة السامع بمعنى المتكلم ، كما قال الله تعالى ذكره (سُورَةٌ أَنْزَلْناها) [النور : ١] و (بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) [التوبة : ١] فكذلك ذلك في قوله : «وصية لأزواجهم». قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأه رفعا ، لدلالة ظاهر القرآن على أن مقام المتوفى عنها زوجها في بيت زوجها المتوفّى حولا كاملا ، كان حقّا لها قبل نزول قوله : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) [البقرة : ٢٣٤] وقبل نزول آية الميراث ، ولتظاهر الأخبار عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم بنحو الذي دل عليه الظاهر من ذلك ، أوصى لهنّ أزواجهنّ بذلك قبل وفاتهن ، أو لم يوصوا لهن به. فإن قال قائل : وما الدلالة على ذلك؟ قيل : لمّا قال الله تعالى ذكره (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ) وكان الموصي لا شك ، إنما يوصي في حياته بما يأمر بإنفاذه بعد وفاته ، وكان محالا أن يوصي بعد وفاته وكان تعالى ذكره إنما جعل لامرأة الميت سكن الحول بعد وفاته ، علمنا أنه حقّ لها وجب في ماله بغير وصية منه لها ، إذ كان الميت مستحيلا أن تكون منه وصية بعد وفاته. ولو كان معنى الكلام على ما تأوله من قال : «فليوص وصية» ، لكان التنزيل : والذين تحضرهم الوفاة ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم ، كما قال : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ) [البقرة : ١٨٠]. وبعد ، فلو كان ذلك واجبا لهن بوصية من أزواجهن المتوفين ، لم يكن ذلك حقا لهن إذا لم يوص أزواجهن لهن به قبل وفاتهم
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
