وسنذكر ما يتعلق بها هنالك ، إن شاء الله. فأما التي نحن في تفسيرها : فقد روي عن ابن عباس أنه قال : نسختها (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) (١). والصحيح : أنها عامة دخلها التّخصيص ، لأن ظاهرها يقتضي وجوب العدّة على المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا ، سواء كانت حاملا ، أو غير حامل ، غير أن قوله تعالى : (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَ) خصّ أولات الحمل ، وهي خاصة أيضا في الحرائر ، فإن الأمة عدّتها شهران وخمسة أيام ، فبان أنها من العامّ الذي دخله التّخصيص.
قوله تعالى : (فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَ) ، يعني : انقضاء العدّة. قوله تعالى : (فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) فيه قولان : أحدهما أن معناه : فلا جناح على الرجال في تزويجهنّ بعد ذلك. والثاني : فلا جناح على الرجال في ترك الإنكار عليهنّ إذا تزيّن وتزوجن. قال أبو سليمان الدّمشقيّ : وهو خطاب لأوليائهنّ.
قوله تعالى : (فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) فيه قولان : أحدهما : أنه التّزيّن والتّشوّف للنّكاح ، قاله الضّحّاك ، ومقاتل. والثاني : أنه النّكاح ، قاله الزّهريّ ، والسّدّيّ.
و «الخبير» من أسماء الله تعالى ، ومعناه : العالم بكنه الشيء المطّلع على حقيقته. و «الخبير» في صفة المخلوقين ، إنما يستعمل في نوع من العلم ، وهو الذي يتوصّل إليه بالاجتهاد دون النوع المعلوم ببداءة العقول. وعلم الله تعالى سواء فيما غمض ولطف وفيما تجلّى وظهر.
(وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥))
قوله تعالى : (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ) ، هذا خطاب لمن أراد تزويج معتدّة. والتّعريض : الإيماء والتّلويح من غير كشف ، فهو إشارة بالكلام إلى ما ليس له في الكلام ذكر. والخطبة بكسر الخاء : طلب النّكاح ، والخطبة بضم الخاء : مثل الرّسالة التي لها أول وآخر. وقال ابن عباس : التّعريض أن يقول : إني أريد أن أتزوّج. وقال مجاهد : أن يقول : إنك لجميلة ، وإنّك لحسنة ، وإنّك لإلى خير. قوله تعالى : (أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ) ، قال الفرّاء : فيه لغتان : كننت الشيء ، وأكننته. وقال ثعلب : أكننت الشيء : إذا أخفيته في نفسك ، وكننته : إذا سترته بشيء. وقال ابن قتيبة : أكننت الشيء : إذا سترته ، ومنه هذه الآية ، وكننته : إذا صنته ، ومنه قوله تعالى : (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) (٢) ، قال بعضهم : يجعل كننته ، وأكننته ، بمعنى. قوله تعالى : (عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَ) ، قال مجاهد : ذكره إياها في نفسه. قوله تعالى : (وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا) فيه أربعة أقوال : أحدها : أن المراد بالسّرّ هاهنا : النّكاح ، قاله ابن عباس. وأنشد بيت امرئ القيس :
|
ألا زعمت بسباسة (٣) اليوم أنّني |
|
كبرت وأن لا يشهد السّرّ أمثالي |
__________________
(١) الطلاق : ٤.
(٢) الصافات : ٤٩.
(٣) في «القاموس» بسباسة : امرأة من بني أسد.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
