قوله تعالى : (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) ، هو مرفوع بالابتداء ، وخبر هذه الأشياء : (أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ). وفي المراد ب «سبيل الله» هاهنا قولان : أحدهما : أنه الحج ، لأنهم صدّوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، عن مكة. قاله ابن عباس والسّدّيّ عن أشياخه. والثاني : أنه الإسلام ، قاله مقاتل. وفي هاء الكناية في قوله «وكفر به» قولان : أحدهما : أنها ترجع إلى الله تعالى ، قاله السّدّيّ عن أشياخه ، وقتادة ، ومقاتل ، وابن قتيبة. والثاني : أنها تعود إلى السبيل ، قاله ابن عباس. قال ابن قتيبة : وخفض «المسجد الحرام» نسقا على : (سَبِيلِ اللهِ) ، كأنه قال : وصدّ عن سبيل الله ، وعن المسجد الحرام. قوله تعالى : (وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ) لمّا آذوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم وأصحابه ؛ اضطرّوهم إلى الخروج فكأنهم أخرجوهم ، فأعلمهم الله أن هذه الأفعال أعظم من قتل كل كافر. «والفتنة» هاهنا بمعنى الشّرك ، قاله ابن عمر ، وابن عباس ، ومجاهد ، وابن جبير ، وقتادة ، والجماعة. والفتنة في القرآن على وجوه كثير ، قد ذكرتها في كتاب «النّظائر». (وَلا يَزالُونَ) ، يعني الكفّار ، (يُقاتِلُونَكُمْ) يعني : المسلمين. و (حَبِطَتْ) بمعنى : بطلت.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨))
قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا) ، في سبب نزولها قولان : أحدهما : أنه لما نزل القرآن بالرّخصة لأصحاب عبد الله بن جحش في قتل ابن الحضرميّ ، قال بعض المسلمين : ما لهم أجر ، فنزلت هذه الآية (١) ، وقد ذكرنا هذا في سبب نزول قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ) ، عن جندب بن عبد الله. والثاني : أنه لما نزلت لهم الرّخصة قاموا ، فقالوا : يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزاة نعطى فيها أجر المجاهدين ، فنزلت هذه الآية (٢) ، قاله ابن عباس. وقال : (هاجَرُوا) من مكة إلى المدينة ، (وَجاهَدُوا) في طاعة الله ابن الحضرميّ وأصحابه. و (رَحْمَتَ اللهِ) : مغفرته وجنّته. قال الشّعبيّ : أوّل لواء عقد في الإسلام لواء عبد الله بن جحش ، وأول مغنم قسم في الإسلام : مغنمه.
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩))
قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) ، في سبب نزولها قولان :
(٩٩) أحدهما : أن عمر بن الخطّاب قال : اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا ، فنزلت هذه الآية.
(١٠٠) والثاني : أن جماعة من الأنصار جاءوا إلى النبيّ صلىاللهعليهوسلم ، وفيهم عمر ، ومعاذ ، فقالوا : أفتنا
____________________________________
(٩٩) حسن. أخرجه أبو داود ٣٦٧٠ والترمذي ٣٠٤٩ والنسائي ٨ / ٢٨٦ والحاكم ٢ / ٢٧٨ وأحمد ١ / ٥٣ والطبري ١٢٥٦١ والبيهقي ١ / ٥٣ من حديث عمرو بن شرحبيل عن عمر. وإسناده حسن ، رجاله ثقات ، وصححه الحاكم على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي. ويأتي في سورة المائدة إن شاء الله تعالى.
(١٠٠) لم أره مسندا ، ذكره المصنف هكذا بدون إسناد ومن غير عزو لقائل. وكذا ذكره الواحدي في «الأسباب» ١٣٢
__________________
(١) أخرجه الطبري ٤١٠٥ من حديث جندب بسند فيه مجهول ، فهو ضعيف وتقدم.
(٢) أخرجه الطبري ٤١٠٦ بسند عن عروة مرسلا ، ومراسيل عروة جياد. ولم أره عن ابن عباس.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
