كانوا يستحبّون أن يفعلوا العمرة في غيرها. قال ابن سيرين : ما أحد من أهل العلم شكّ في أنّ عمرة في غير أشهر الحجّ أفضل من عمرة في أشهر الحجّ ، وإنما قال : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ) ، وهي شهران وبعض الآخر على عادة العرب. قال الفرّاء : تقول العرب : له اليوم يومان لم أره ، وإنما هو يوم ، وبعض آخر. وتقول : زرتك العام ، وأتيتك اليوم ، وإنّما وقع الفعل في ساعة. وذكر ابن الأنباريّ في هذا قولين : أحدهما : أنّ العرب توقع الجمع على التّثنية ، إذا كانت التّثنية أقلّ الجمع. كقوله تعالى : (أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ) (١) ، وإنما يريد عائشة وصفوان ، وكذلك قوله : (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) (٢) ، يريد : داود وسليمان. والثاني : أنّ العرب توقع الوقت الطّويل على الوقت القصير ، فيقولون : قتل ابن الزّبير أيام الحجّ ، وإنما كان القتل في أقصر وقت.
فصل : اختلف العلماء فيمن أحرم بالحجّ قبل أشهر الحجّ ، فقال عطاء ، وطاوس ومجاهد ، والشّافعيّ : لا يجزئه ذلك ، وجعلوا فائدة قوله : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) أنه لا ينعقد الحجّ إلّا فيهنّ. وقال أبو حنيفة ، ومالك ، والثّوريّ ، والليث بن سعد ، وأحمد بن حنبل : يصحّ الإحرام بالحجّ قبل أشهر (٣) ، فعلى هذا يكون قوله : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) ، أي : معظم الحجّ يقع في هذه الأشهر.
(٨٤) كما قال النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «الحجّ عرفة».
قوله تعالى : (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَ) ، قال ابن مسعود : هو الإهلال بالحجّ والإحرام به. وقال طاوس وعطاء : هو أن يلبّي. وروي عن عليّ وابن عمر ومجاهد والشّعبيّ في آخرين : أنه إذا قلّد بدنته فقد أحرم ، وهذا محمول على أنه قلّدها ناويا الحجّ. ونصّ الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في رواية الأثرم : أنّ الإحرام بالنّيّة. قيل له : يكون محرما بغير تلبية؟ قال : نعم إذا عزم على الإحرام ، وهذا قول مالك والشّافعيّ ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز الدّخول في الإحرام إلّا بالتّلبية أو تقليد الهدي وسوقه. قوله تعالى : (فَلا رَفَثَ) ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر : «فلا رفث ولا فسوق» بالضّمّ والتنوين. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ بغير تنوين ، ولم يرفع أحد منهم لام «جدال» إلا أبو جعفر. قال أبو عليّ : حجّة من فتح أنه أشدّ مطابقة للمعنى المقصود ، لأنه بالفتح قد نفى جميع الرّفث والفسوق ، كقوله : (لا رَيْبَ فِيهِ) ، فإذا رفع ونوّن ، كان النفي لواحد منه ، وإنما فتحوا لام (الجدال) ، ليتناول النفي جميع جنسه ، فكذلك ينبغي أن يكون جمع الاسمين قبله. وحجّة من رفع أنه قد علم من فحوى الكلام نفي جميع الرّفث ، وقد يكون اللفظ واحدا والمراد بالمعنى الجميع ، قال الشاعر :
____________________________________
(٨٤) جيد. أخرجه أبو داود ١٩٤٩ والترمذي ٩٨٩ والنسائي ٥ / ٢٥٦ وابن ماجة ٣٠١٥ والدارمي ١٨٢٧ والطيالسي ١٣٠٩ وأحمد ٤ / ٣٠٩ ـ ٣٣٥ والحاكم ١ / ٤٦٤ والبيهقي ٥ / ١١٦ وإسناده جيد وصححه الحاكم ، وأقره الذهبي. وقال الترمذي قال ابن عيينة : هذا أجود حديث رواه الثوري.
__________________
(١) النور : ٢٦.
(٢) الأنبياء : ٧٨.
(٣) قال القرطبي رحمهالله ٢ / ٤٠١ : قوله تعالى (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) لما ذكر الحج والعمرة سبحانه وتعالى في قوله : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) بيّن اختلافهما في الوقت ، فجميع السنة وقت للإحرام بالعمرة ، ووقت العمرة. وأما الحج فيقع في السنة مرة ، فلا يكون في غير هذه الأشهر.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
