فصل : فإن وجد الهدي بعد الدخول في صوم الثلاثة الأيام ، لم يلزمه الخروج منه ، وهو قول مالك ، والشّافعيّ. وقال أبو حنيفة : يلزمه الخروج ، وعليه الهدي. وقال عطاء : إن صام يومين ثم أيسر ؛ فعليه الهدي. وإن صام ثلاثة ثم أيسر ، فليصم السّبعة ، ولا هدي عليه (١).
وفي معنى قوله : (فِي الْحَجِ) ، قولان : أحدهما : أنّ معناه : في أشهر الحجّ. والثاني : في زمن الإحرام بالحجّ. وفي قوله تعالى : (وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ) ، قولان : أحدهما : إذا رجعتم إلى أمصاركم ، قاله ابن عباس ، والحسن ، وأبو العالية ، والشّعبيّ ، وقتادة. والثاني : إذا رجعتم من حجّكم ، وهو قول عطاء ، وسعيد بن جبير ، وأبي حنيفة ، ومالك. قال الأثرم : قلت لأبي عبيد الله ، يعني : أحمد بن حنبل : فصيام السّبعة الأيام إذا رجع متى يصومهنّ؟ أفي الطّريق ، أم في أهله؟ قال : كلّ ذلك قد تأوّله الناس. قيل لأبي عبد الله : ففرّق بينهنّ ، فرخّص في ذلك (٢).
قوله تعالى : (تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ) ، فيه خمسة أقوال : أحدها : أنّ معناه : كاملة في قيامها مقام الهدي ، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس ، والحسن. قال القاضي أبو يعلى : وقد كان يجوز أن يظنّ ظانّ أنّ الثلاثة قد قامت مقام الهدي في باب استكمال الثّواب ، فأعلمنا الله تعالى أنّ العشرة بكمالها هي
__________________
وليس له أن يتحلل إلا بعد الصيام ، كما لا يتحلل واجد الهدي إلا بنحره. ولا يتحلل إلا بالنية ، فيحصل الحل بشيئين ، النحر أو الصوم والنية. إن قلنا الحلاق ليس بنسك ، وإن قلنا : هو نسك حصل بثلاثة أشياء ، الحلاق مع ما ذكرنا.
(١) قال القرطبي رحمهالله ٢ / ٣٩٦ : وأجمع العلماء على أن الصوم لا سبيل للمتمتع إليه إذا كان يجد الهدي واختلفوا فيه إذا كان غير واجد للهدي فصام ثم وجد الهدي قبل إكماله صومه فذكر ابن وهب عن مالك قال : إذا دخل في الصوم ثم وجد هديا فأحبّ إليّ أن يهدي ، فإن لم يفعل أجزأه الصيام. وقال الشافعي : يمضي في صومه وهو فرضه ، وكذلك قال أبو ثور وهو قول الحسن وقتادة ، واختاره ابن المنذر. وقال أبو حنيفة : إذا أيسر في اليوم الثالث من صومه بطل صومه ووجب عليه الهدي وإن صام ثلاثة أيام في الحج ثم أيسر كان له أن يصوم السبعة الأيام لا يرجع إلى الهدي ، وبه قال الثوري وابن أبي نجيح وحماد.
(٢) قال القرطبي رحمهالله ٢ / ٣٩٨ : قوله تعالى : (إِذا رَجَعْتُمْ) يعني إلى بلادكم ، قاله ابن عمر وقتادة والربيع ومجاهد وعطاء ، وقاله مالك في كتاب محمد ، وبه قال الشافعي. قال قتادة والربيع : هذه رخصة من الله تعالى ، فلا يجب على أحد صوم السبعة إلّا إذا وصل وطنه ، إلّا أن يتشدّد أحد ، كما يفعل من يصوم في السفر في رمضان وقال أحمد وإسحاق : يجزيه الصوم في الطريق ، وروي عن مجاهد وعطاء. قال مجاهد : إن شاء صامها في الطريق ، إنما هي رخصة ، وكذلك قال عكرمة والحسن وقال مالك في الكتاب : إذا رجع من منى فلا بأس أن يصوم قال ابن العربي : «إن كان تخفيفا ورخصة فيجوز تقديم الرّخص وترك الرفق فيها إلى العزيمة إجماعا. وإن كان ذلك توقيتا فليس فيه نص ، ولا ظاهر أنه أراد البلاد ، وأنها المراد في الأغلب». قلت : بل فيه ظاهر يقرب إلى النص يبينه ما رواه مسلم عن ابن عمر قال : تمتاع رسول الله صلىاللهعليهوسلم في حجة الوداع بعمرة إلى الحج وأهدى ، فساق معه الهدي من ذي الحليفة ، وبدأ رسول الله صلىاللهعليهوسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتاع الناس مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم بالعمرة إلى الحج ، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد ، فلما قدم رسول الله صلىاللهعليهوسلم مكة قال للناس : (من كان منكم أهدى فإنه لا يحلّ من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصّر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله) ، الحديث. وهذا كالنص في أنه لا يجوز صوم السبعة الأيام إلّا في أهله وبلده والله أعلم.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
