فصل : قال شيخنا عليّ بن عبيد الله : اقتضى قوله : (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) ، تحريم حلاق الشّعر ، سواء وجد به الأذى ، أو لم يجد ، حتى نزل (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ) ، فاقتضى هذا إباحة حلق الشّعر عند الأذى مع الفدية ، فصار ناسخا لتحريمه المتقدّم. ومعنى الآية : فمن كان منكم ـ أي : من المحرمين ، محصرا كان أو غير محصر ـ مريضا ، واحتاج إلى لبس أو شيء يحظّره الإحرام ، ففعله ، أو به أذى من رأسه فحلق ؛ ففدية من صيام. وفي الصّيام قولان :
(٨٣) أحدهما : أنه ثلاثة أيام ، روي في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه ، عن النبيّ صلىاللهعليهوسلم ، وهو قول الجمهور. والثاني : أنه صيام عشرة أيام ، روي عن الحسن وعكرمة ونافع.
وفي الصّدقة قولان : أحدهما : إطعام ستة مساكين ، روي في حديث كعب ، وهو قول من قال : الصّوم ثلاثة أيام. والثاني : أنها إطعام عشرة مساكين ، وهو قول من أوجب صوم عشرة أيام. والنّسك : ذبح شاة ، يقال : نسكت لله ، أي : ذبحت له. وفي النّسك لغتان : ضمّ النون والسين ، وبها قرأ الجمهور ، وضمّ النون مع تسكين السين ، وهي قراءة الحسن.
قوله تعالى : (فَإِذا أَمِنْتُمْ) ، أي : من العدوّ ، إذ المرض لا تؤمن معاودته ، وقال علقمة في آخرين : فإذا أمنتم من الخوف أو المرض. (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِ) ، معناه : من بدأ بالعمرة في أشهر الحجّ ، وأقام الحجّ من عامه ذلك ؛ فعليه ما استيسر من الهدي. وهذا قول ابن عمر وابن عباس ، وابن المسيّب ، وعطاء ، والضّحّاك. وقد سبق الكلام فيما استيسر من الهدي. (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِ) ، قال الحسن : هي قبل التّروية بيوم والتّروية ، وعرفة ، وهذا قول عطاء ، والشّعبيّ ، وأبي العالية ، وابن جبير ، وطاوس ، وإبراهيم. وقد نقل عن عليّ عليهالسلام. وقد روي عن الحسن ، وعطاء قالا : في أيّ العشر شاء صامهنّ. ونقل عن طاوس ، ومجاهد ، وعطاء ، أنهم قالوا : في أيّ أشهر الحجّ شاء فليصمهنّ. ونقل عن ابن عمر أنّه قال : من حين يحرم إلى يوم عرفة.
فصل : فإن لم يجد الهدي ، ولم يصم الثلاثة الأيام قبل يوم النّحر ، فما ذا يصنع؟ قال عمر بن الخطّاب ، وابن عباس ، وابن جبير ، وطاوس ، وإبراهيم : لا يجزيه إلّا الهدي ولا يصوم. وقال ابن عمر وعائشة : يصوم أيام منى. ورواه صالح عن أحمد ، وهو قول مالك. وذهب آخرون إلى أنه لا يصوم أيام التّشريق ، بل يصوم بعدهنّ. روي عن عليّ. ورواه المرّوذي عن أحمد ، وهو قول الشّافعيّ (١).
____________________________________
(٨٣) صحيح. أخرجه البخاري ١٨١٤ ومسلم ١٢٠١ وأبو داود ١٨٥٦ و ١٨٥٧ والترمذي ٢٩٧٣ والنسائي ٥ / ١٩٥ والطيالسي ١٠٦٢ وأحمد ٤ / ٢٤١ و ٢٤٢ كلهم عن كعب بن عجرة رضي الله عنه عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال له : «لعلك آذاك هو أمك؟» قال : نعم يا رسول الله. فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك بشاة». رووه بألفاظ متقاربة ، واللفظ للبخاري.
__________________
(١) قال الإمام الموفق رحمهالله في «المغني» ٥ / ٢٠٠ : فإن لم يكن معه هدي ، ولا يقدر عليه ، صام عشرة أيام ، ثم حلّ وجملة ذلك أن المحصر ، إذا عجز عن الهدي ، انتقل إلى صوم عشرة أيام ثم حلّ. وبهذا قال الشافعي ، في أحد قوليه. وقال مالك ، وأبو حنيفة : ليس له بدل ، لأنه لم يذكر في القرآن ، ولنا أنه دم واجب للإحرام فكان له بدل ، كدم التمتاع والطيب واللباس. ويتعين الانتقال إلى صيام عشرة أيام ، كبدل هدي التمتاع ،
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
