فأمّا التّفسير ؛ فإنّما سألوه عن وجه الحكمة في زيادة الأهلّة ونقصانها ، فأخبرهم أنها مقادير لما يحتاج الناس إليه في صومهم وحجّهم وغير ذلك. والأهلّة : جمع هلال. وكم يبقى الهلال على هذه التّسمية؟ فيه للعرب أربعة أقوال : أحدها : أنّه يسمّى هلالا لليلتين من الشّهر. والثاني : لثلاث ليال ، ثم يسمّى قمرا. والثالث : إلى أن يحجر ، وتحجيره : أن يستدير بخطّة دقيقة ، وهو قول الأصمعيّ. والرابع : إلى أن يبهر ضوؤه سواد الليل. حكى هذه الأقوال ابن السّريّ واختار الأوّل ، قال : واشتقاق الهلال من قولهم : استهلّ الصبيّ : إذا بكى حين يولد. وأهلّ القوم بالحجّ : إذا رفعوا أصواتهم بالتّلبية ، فسمّي هلالا لأنّه حين يرى يهلّ النّاس بذكره.
قوله تعالى : (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى) ، مثل قوله تعالى : (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ) ، وقد سبق بيانه ، واختلف القرّاء في البيوت وما أشبهها ، قرأ ابن كثير ، وابن عامر ، والكسائيّ بكسر باء «البيوت» وعين «العيون» وغين «الغيوب» ، وروي عن نافع أنه ضمّ باء «البيوت» وعين «العيون» وغين «الغيوب» وجيم «الجيوب» وشين «الشيوخ» ، وروى عنه قالون أنه كسر باء «البيوت» ، وقرأ أبو عمرو ، وأبو جعفر بضمّ الأحرف الخمسة ، وكسرهنّ جميعا حمزة ، واختلف عن عاصم. قال الزجّاج : من ضم «البيوت» فعلى أصل الجمع : بيت وبيوت ، مثل : قلب وقلوب ، وفلس وفلوس. ومن كسر ، الياء بعد الباء ، وذلك عند البصريين رديء جدا ، لأنه ليس في الكلام فعول بكسر الفاء. وسمعت شيخنا أبا منصور اللّغويّ يقول : إذا كان الجمع على فعول ، وثانيه ياء ، جاز فيه الضّمّ والكسر ، تقول : بيوت وبيوت ، وشيوخ وشيوخ ، وقيود وقيود.
(وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠))
قوله تعالى : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) (٧٦) سبب نزولها : أنّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم لما صدّ عن البيت ، ونحر هديه بالحديبية ، وصالحه المشركون على أن يرجع من العام المقبل ؛ رجع ، فلمّا تجهّز في العام المقبل ؛ خاف أصحابه أن لا تفي لهم قريش بذلك ، وأن يصدّوهم ويقاتلوهم ، وكره أصحابه القتال في الشّهر الحرام ؛ فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس.
قوله تعالى : (وَلا تَعْتَدُوا) ، أي : ولا تظلموا. وفي المراد بهذا الاعتداء أربعة أقوال : أحدها : أنه قتل النساء والولدان ، قاله ابن عباس ، ومجاهد. والثاني : أنّ معناه : لا تقاتلوا من لم يقاتلكم ، قاله سعيد بن جبير ، وأبو العالية ، وابن زيد. والثالث : أنه إتيان ما نهوا عنه ، قاله الحسن. والرابع : أنه ابتداؤهم بالقتال في الحرم في الشّهر الحرام ، قاله مقاتل.
فصل : اختلف العلماء : هل هذه الآية منسوخة أم لا؟ على قولين :
أحدهما : أنها منسوخة. واختلف أرباب هذا القول في المنسوخ منها على قولين : أحدهما : أنه
____________________________________
(٧٦) ضعيف جدا ، ذكره الواحدي في «أسباب النزول» ١٠٢ تعليقا عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به ، وهذا إسناد ساقط ، وتقدم بيانه في المقدمة. وسيأتي بنحو هذا السياق عند الآية ١٩٤.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
