أنّها ترجع إلى الأموال ، كأنّه قال : لا تصانعوا ببعضها جورة الحكّام. والثاني : أنّها ترجع إلى الخصومة.
إن قيل : كيف أعاد ذكر الأكل فقال : (وَلا تَأْكُلُوا لِتَأْكُلُوا)؟ فالجواب : أنه وصل اللفظة الأولى بالباطل ، والثانية بالإثم ، فأعادها للزّيادة في المعنى ، ذكره ابن الأنباريّ.
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩))
قوله تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ). هذه الآية من أوّلها إلى قوله : (وَالْحَجِ) ، نزلت على سبب :
(٧٤) وهو أنّ رجلين من الصّحابة قالا : يا رسول الله! ما بال الهلال يبدو دقيقا ، ثم يزيد ويمتلئ حتى يستدير ويستوي ، ثمّ لا يزال ينقص ويدقّ حتى يعود كما كان؟ فنزلت : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ) ، هذا قول ابن عباس (١).
ومن قوله تعالى : (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها) إلى آخرها يدلّ على سبب آخر :
(٧٥) وهو أنّهم كانوا إذا حجّوا ، ثمّ قدموا المدينة ، لم يدخلوا من باب ، ويأتون البيوت من ظهورها ، فنسي رجل ، فدخل من باب ، فنزلت : (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها) هذا قول البراء بن عازب.
وفيما كانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها لأجله أربعة أقوال : أحدها : أنهم كانوا يفعلون ذلك لأجل الإحرام ، قاله ابن عباس ، وأبو العالية ، والنّخعيّ ، وقتادة ، وقيس النّهشليّ. والثاني : لأجل دخول الشّهر الحرام ، قاله البراء بن عازب. والثالث : أنّ أهل الجاهليّة كانوا إذا همّ أحدهم بالشيء فاحتبس عنه ؛ لم يأت بيته من بابه حتى يأتي الذي كان همّ به ، قاله الحسن. والرابع : أنّ أهل المدينة كانوا إذا رجعوا من عيدهم فعلوا ذلك ، رواه عثمان بن عطاء عن أبيه.
____________________________________
(٧٤) باطل. أخرجه أبو نعيم وابن عساكر كما في «أسباب النزول» ٩٧ للسيوطي من طريق محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وهذا إسناد ساقط ، بل هذه السلسلة هي سلسلة الكذب ، فالسدي هو الصغير متهم ، والكلبي كذبه غير واحد ، وتقدم في المقدمة بيانه. وعزاه الواحدي في «الأسباب» ٩٨ للكلبي.
(٧٥) صحيح. أخرجه البخاري ٤٥١٢ ومسلم ٣٠٢٦ والواحدي في «أسباب النزول» ٩٩ عن البراء بن عازب.
__________________
وعلى هذا الحديث جمهور العلماء وأئمة الفقهاء. وهو نص في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يغير حكم الباطن. واتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مال قلّ أو كثر أنه يفسق بذلك ، وأنه محرّم عليه أخذه. خلافا لبشر بن المعتمر ومن تابعه من المعتزلة حيث قالوا : إن المكلّف لا يفسق إلا بأخذ مائتي درهم ولا يفسق بدون ذلك. وكله مردود بالقرآن والسنة واتفاق العلماء ، قال صلىاللهعليهوسلم : «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» الحديث متفق عليه.
(١) كذا وقع للمصنف رحمهالله! وهو غريب ، إذ ورد عن ابن عباس مرفوعا ، ثم مع ذلك ينسب ذلك لابن عباس ، مع أن ابن الجوزي رحمهالله من أهل الحديث ، ولكل جواد كبوة ، والله الموفق للصواب.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
