ويعلم أيضا عند ذلك صحة النبوات ، لأن النبي (ص) اذا ادعى النبوة ، وظهر على يده علم معجز ، يعجز عن فعله جميع المحدثين ، علم انه من فعل الله ، ولو لا صدقه لما فعله ، لأن تصديق الكذاب لا يحسن ، وقد أمن ذلك بكونه ، عالما غنيا ، فاذا علم صدق الأنبياء بذلك علم صحة ما أتوا به من الشرعيات والعبادات ، لكونهم صادقين على الله ، وانه لا يتعبد الخلق إلا بما فيه مصلحتهم.
واذا ثبت له هذه العلوم فتشاغل بالعبادة ، أو المعيشة ، ولم تخطر له شبهه ، ولا أورد عليه ما يقدح فيما علمه ، ولا فكر هو في فروع ذلك ، لم يلزمه أكثر من ذلك. ومتى أورد عليه شبهه فان تصورها قادحة فيما علمه يلزمه حينئذ النظر فيها حتى يحلها ، ليسلم له ما علمه ، وان لم يتصورها قادحة ، ولا اعتقد انها تؤثر فيما علمه لم يلزمه النظر فيها ولا التشاغل بها ، وهذه أحوال اكثر العوام ، وأصحاب المعايش ، والمترفين ، فانهم ليس يكادون يلتفتون الى شبهة تورد عليهم ولا يقبلونها ، ولا يتصورونها قادحة فيما اعتقدوه ، بل ربما اعرضوا عنها ، واستغنوا (١) عن سماعها وايرادها ، وقالوا لا تفسد علينا ما علمناه ، وقد شاهدت جماعة هذه صورتهم ، فبان بهذه الجملة ما أشرنا إليه من «أحوال» (٢) أصحاب الجمل. ونحن نبين في الفصل الذي يلي هذا ما يلزم من هو فوق هؤلاء ، ممن ينظر ويبحث وتطرقه الشبهات. وإن لم نبالغ في استيفاء ذلك «لنكون» (٣) قد ذكرنا أمر الفريقين وبينا أحوال الفئتين والله الموفق للصواب.
__________________
(١) في ح استغفوا.
(٢) الكلمة ساقطة من أوب.
(٣) في (ب) ليكون ذلك.
