وأما الحجة الثانية ـ وهى قوله : «الأرواح لو كانت قديمة ، لكنا نتذكر الآن شيئا من الأحوال الماضية ـ. قلنا : هذا تمسك بالاستقراء وهو ضعيف أيضا. فلم لا يجوز أن يقال : تذكر النفس للأحوال الماضية مشروط بتعلق النفس بالبدن ، الّذي معه حدثت تلك الأحوال. فاذا فنى ذلك البدن ، امتنع تذكر الأحوال التى حصلت مع ذلك البدن.
الوجه الثانى فى الاعتراض على هذه الحجة : سلمنا أنها ليست أزلية. فلم قلتم بأنها لا تكون أبدية؟ قوله : «لو كانت أبدية لكانت النفوس الموجودة الآن غير متناهية».
قلنا : هذا بناء على أن الأدوار الماضية غير متناهية. وقد بينا ابطال ذلك فى مسألة الحدوث.
سلمنا ولكن لم لا يجوز أن يقال : حصل الآن نفوس غير متناهية؟ قوله : «كل عدد موجود فهو قابل للزيادة والنقصان ، وكل ما كان كذلك فهو متناه».
قلنا : هذه المقدمة فيها بحث دقيق ، ذكرناه فى الكتب الفلسفية.
وأما القول الثالث ـ وهو قول من يقول : «النفوس الفاضلة العالمة تبقى بعد موت البدن ، والنفوس الجاهلة تفنى. مثل نفوس الأطفال والجهال» ـ فهذا القول منقول عن الحكيم «باسيطيوس» واحتج عليه بوجهين :
الحجة الأولى : ان النفوس الخالية عن العلوم والأخلاق الفاضلة ، لو بقيت بعد الموت. لبقيت اما معطلة أو معذبة. وابقاء الشيء فى التعطيل أو فى التعذيب أبد الآباد غير لائق بحكمة الحكيم.
الحجة الثانية : ان العلم سبب للقوة ، والجهل سبب للضعف ، ألا ترى أن العالم بالشيء اذا خاض فيه كان قوى القلب ، والجاهل
![الأربعين في أصول الدين [ ج ٢ ] الأربعين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3315_alarbain-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
