بالشيء اذا خاض فيه كان ضعيف القلب ، ولا شك أن أجل العلوم وأعظمها هو العلم بالله تعالى. فالنفس اذا تحلت بهذه المعرفة قويت ، واشتدت ، فلا يضرها خراب البدن. ولذلك فان العارفين اذا تخلوا فى (٣) أنورا جلال الله تعالى لم يلتفتوا الى شيء ، ولم يقيموا لشيء وزنا.
اذا عرفت هذا ، فالنفوس العالمة تكون قوية ، فلا تفنى بموت البدن ، والنفوس الجاهلة تكون ضعيفة ، فلا جرم نموت بموت البدن.
* * *
فهذا تفصيل مذاهب الناس فى المعاد الروحانى. أما الأولون ـ وهم القائلون بأن النفوس الناطقة كلها باقية بعد موت الأبدان ـ فهؤلاء أيضا طوائف :
الطائفة الأولى : الذين يقولون : النفوس الناطقة مدركة للجزئيات واحتجوا عليه بأنه يمكننا أن نحكم بأن هذا الشخص هو انسان فهذه قضية موضوعها شخص معين ـ وهو جزئى ـ ومحمولها هو الانسان ـ وهو كلى ـ والتصديق مسبوق بالتصور. فصاحب هذا التصديق عنده ادراك المحمول الّذي هو الكلى ، وادراك الموضوع الّذي هو الشخص. لكن مدرك هذا الكلى هو النفس. فمدرك هذا الجزء أيضا هو النفس. فثبت أن النفس مدركة للجزئيات.
اذا ثبت هذا فنقول : النفس لها صفتان : الادراك والفعل. والادراك قسمان : ادراك الجزئيات ، وادراك الكليات. فالنفس هى الموصوفة بهذين القسمين من الادراك وبهذا الفعل الّذي هو التحريك. فاذا مات البدن وزال الحجاب الجسمانى ، تجلت عليها أنوار عالم الجلال ، فازداد ادراكها وفعلها ، وانتهت فى ذلك الى حد الكمال ، وقربت درجتها من درجة الملائكة ـ الذين هم أرواح عالم السموات ـ وذلك هو الغبطة الكبرى ، والدرجة العظمى.
__________________
(٣) اذا تجلى فى أرواحهم : ب
![الأربعين في أصول الدين [ ج ٢ ] الأربعين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3315_alarbain-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
