(الكهف ٥٨) (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ، إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً) (نوح ١٠) (غُفْرانَكَ رَبَّنا) (البقرة ٢٨٥) والمغفرة ليست عبارة عن اسقاط العقاب عمن لا يجوز عقابه (١١) فتعين أن تكون عبارة عن اسقاط العقاب عمن يحسن عقابه.
وانما قلنا : ان القسم الأول باطل : لأنه تعالى ذكر صفة المغفرة فى معرض الامتنان على العباد. ولو حملناه على هذا الوجه لم يبق هذا المعنى ، لأن ترك القبيح لا يكون احسانا ، بل ترك القبيح بأن يكون احسانا من الفاعل الى نفسه ، أولى بأن يكون احسانا الى غيره. فان على مذهب الخصم : لو فعله لا يستحق الذم. فهو بترك ذلك القبيح أحسن الى نفسه حيث خلصها عن استحقاق الذم.
فان قيل : لم لا يجوز حمل العفو والمغفرة على تأخير العقاب عن الدنيا الى الآخرة؟ والدليل على أن لفظ العفو مستعمل فى هذا المعنى : قوله تعالى فى قصة اليهود (ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) (البقرة ٥٢) وليس المراد : اسقاط العذاب ، بل تأخيره الى الآخرة. وكذلك قوله تعالى : (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ. فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ. وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى ٣٠) أى أنه تعالى قد يعجل المصائب اما على جهة الابتلاء ، أو على جهة العقوبة المعجلة بسبب ذنوبكم ، ثم انه تعالى لا يعجل العقوبة والابتلاء على كثير منها. وكذلك قوله تعالى : (وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ) الى قوله : (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى ٣٢ ـ ٣٤) أى أنه تعالى لو شاء اهلاكهم لأهلكهم. الا أنه تعالى لا يهلكهم على كثير من الذنوب.
والجواب : العفو أصله من عفا أثره ، أى إزالة. واذا كان كذلك ، وجب أن يكون مسمى العفو هو الإزالة. ولهذا قال تعالى : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) (البقرة ١٧٨) وليس المراد منه التأخير
__________________
(١١) عمن لا يستحق العقاب : ب
![الأربعين في أصول الدين [ ج ٢ ] الأربعين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3315_alarbain-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
