وهاهنا فى هذه الآية لا يمكننا أن نعرف أن المراد من قوله تعالى : (وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) بيان المبالغة الا اذا عرفنا قبل ذلك أن الملائكة المقربين أفضل من المسيح. وحينئذ يتوقف صحة الدليل على صحة المدلول. وذلك دور.
الرابع : هب أن هذه الآية دالة على أن منصب الملك أعلى وأزيد ، من منصب المسيح. لكنها لا تدل على أن تلك الزيادة فى جميع المناصب أو فى بعضها. فانه اذا قيل هذا العالم لا يستنكف من خدمته الوزير ولا السلطان ، فهو لا يفيد الا أن السلطان أكمل من الوزير فى بعض الأشياء ـ وهى القدرة والسلطنة ـ ولا يفيد كون السلطان أزيد من الوزير فى الزهد والعلم.
اذا ثبت هذا ، فنحن نقول بموجبه. وذلك لأن الملك أفضل من البشر فى القدرة والقوة والبطش. فان جبريل عليهالسلام قلع مدائن لوط ، والبشر لا يقدرون على شيء من ذلك. فلم قلتم : ان الملك أفضل من البشر فى كثرة الثواب الحاصل بسبب مزيد الخشوع والعبودية؟
وتمام التحقيق : ان الفضل المختلف فيه فى هذه المسألة هو كثرة الثواب ، ثم ان كثرة الثواب لا تحصل الا بنهاية التواضع والخضوع ، وكون العبد موصوفا بنهاية التواضع لله تعالى ، لا يلائم صيرورته مستنكفا عن عبودية الله تعالى ، بل ينافيها ويناقضها ، فامتنع أن يكون المراد من الآية هذا المعنى. أما اتصاف الشخص بالقدرة الشديدة والقوة الكاملة ، فانه مناسب للتمرد وترك العبودية.
والنصارى لما شاهدوا من المسيح عليهالسلام احياء الموتى ، وابراء الأكمه والأبرص ، أخرجوه بسبب هذا القدر من القدرة ، عن عبودية الله تعالى. فقال تعالى : (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ) أى أن عيسى لن يستنكف بهذا القدر من القدرة عن عبوديتى ، ولا الملائكة
![الأربعين في أصول الدين [ ج ٢ ] الأربعين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3315_alarbain-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
