عدول عن الظاهر. وأما على قولنا فقد نسبنا هذا الكذب الى اللصوص ، وهو أولى من نسبته الى الملائكة.
وبالجملة : فليس فى الآية لفظ يشهد بصحة ما ذكروه من القصة الا ثلاثة ألفاظ : أحدها : قوله : (وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ) (ص ٢٤) وذلك لأن لفظ الفتنة يوهم الابتلاء.
وثانيها : قوله تعالى : (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ) (ص ٢٤) وذلك يوهم صدور الذنب منه.
وثالثها : قوله : (فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ) (ص ٢٥) واعلم : أن شيئا من ذلك لا يدل على أقوالهم.
ويدل عليه وجوه :
الوجه الأول
أما قوله : (وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ) فالمعنى : امتحناه واختبرناه ، فانه لما أساء الظن بهم. فهل يعاجلهم بالعقوبة أم لا؟ ثم إنه عليهالسلام مع كمال سلطته وقوة مملكته ، لم يعاجلهم بالعقوبة ، ولم ينتقم منهم ، ولم يضربهم ، فكان ذلك سببا لازدياد منصبه فى الحكم والدين وأما قوله : (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ) فليس فى الآية أن ذلك الاستغفار لنفسه أو لغيره. ألا ترى أنه تعالى حكى عن الملائكة بأنهم يستغفرون للذين آمنوا؟ وقال أولاد يعقوب : (يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا) (يوسف ٩٧) وقال تعالى لمحمد صلىاللهعليهوآلهوسلم : (اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) (محمد ١٩) واذا كان كذلك ، احتمل أن يكون المراد أن القوم لما أقدموا على ذلك الفعل المنكر ، لم يعاجلهم داود بالعقوبة ، بل أظهر الحلم. وزاد على ذلك طلبه من الله تعالى أن يعفو عنهم ، وأن يغفر لهم.
![الأربعين في أصول الدين [ ج ٢ ] الأربعين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3315_alarbain-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
