فلو كان الفاعل لذلك البغى هو داود ، لكان هو قد حكم على نفسه بعدم الايمان.
والرابع : ان قوله تعالى : (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ) (ص ٢٥) لا يلائم القتل والفسق.
فثبت بما ذكرنا : أن أول هذه القصة وآخرها ، يشهدان بأن هذه القصة كاذبة باطلة ـ على الوجه الّذي يرويه بها أهل الحشو ـ
ثم ان أهل التحقيق ذكروا وجوها كثيرة فى تأويل الآية :
الأول : ان قوله تعالى : (وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ. إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ)؟ (ص ٢١) حكاية عن جماعة تسوروا قصره قاصدين قتله والاساءة إليه فى أهله وماله ، تسوروا قصره فى وقت ظنوا أنه غافل ، فلما رآهم داود عليهالسلام خافهم ، لما تقرر فى العرف : أنه لا يتسور أحد دار غيره من غير أمره ، الا لقصد السوء من قتل النفس أو سرقة المال ، خصوصا اذا كان صاحب الدار شخصا معظما ، فلما رأوه مستيقظا انتقض عليهم تدبيرهم ، وخافوا ، فاخترع بعضهم عند ذلك الخوف : خصومة لا أصل لها. وزعم : أنهم انما قصدوه لأجلها دون ما توهمه فقالوا : (خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ) (ص ٢٢) :
ثم ادعى أحدهما على الآخر مال ، فقال : (إِنَّ هذا أَخِي. لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ، وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ) (ص ٢٣) قال داود عليهالسلام : (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ) (ص ٥٤).
واعلم : أن حمل الآية على ما ذكرناه : حمل الكلام على ظاهره. أما حملها على القصة المشهورة فانه يقتضي العدول عن الظاهر من وجهين :
الأول : ان الملائكة لما قالوا : (خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ)
![الأربعين في أصول الدين [ ج ٢ ] الأربعين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3315_alarbain-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
