اللاوقوع. فان كان معلوم الوقوع كان واجب الوقوع ، فالتكليف به عبث. وان كان معلوم اللاوقوع كان ممتنع الوقوع ، فكان التكليف به ظلما. فثبت : أن القول بالتكليف باطل.
وربما ذكروا هذا الكلام فى معرض آخر ، وهو أن المقصود من التكليف : جلب الثواب. وان كان ذلك الثواب معلوم الوقوع ، فحينئذ لا حاجة البتة الى فعل الطاعة ، وان كان معلوم اللاوقوع كان ممتنع الوقوع. وحينئذ لا فائدة فى فعل الطاعة.
الثالث : ان التكليف اما أن يتوجه حال استواء الداعى الى الفعل والترك ، أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر. أما حال الاستواء فمحال. لأن الفعل ترجيح. وحصول الرجحان حال حصول الاستواء جمع بين النقيضين ، وأما حال الرجحان فمحال. لأن الراجح واجب ، والمرجوح ممتنع ـ على ما بينا تقرير هذه المقدمة فى مواضع ـ وان وقع التكليف بالراجح ، كان ذلك تكليفا بايقاع شيء واجب لوقوع ، وان كان تكليفا بالمرجوح ، كان ذلك تكليفا بايقاع ممتنع الوقوع وتمام تقرير هذا الوجه قد تقدم فى مسألة خلق الأفعال.
الرابع : ان التكليف لا فائدة فيه البتة ، فكان عبثا غير لائق بحكمة الحكيم.
وانما قلنا : انه لا فائدة فيه. لأن تلك الفائدة ، ان عادت الى المعبود ، لزم أن يكون فى محل النفع والضرر والزيادة والنقصان. وهو محال. وان عادت الى العابد فهو أيضا باطل. لأن جميع الفوائد محصورة فى أمرين: اما اللذة ، واما السرور ، أو ما يكون مفضيا إليهما واما دفع الألم أو دفع الغم ، أو ما يكون مفضيا إليهما. والمعبود تعالى قادر على تحصيل كل ذلك للعبد بدون واسطة التكليف. فكان توسط التكليف عبثا. واذا ثبت هذا فظاهر : أن العبث لا يليق بأحكم الحاكمين.
![الأربعين في أصول الدين [ ج ٢ ] الأربعين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3315_alarbain-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
