أما المقام الأول : فنقول : لا نسلم أن ظهور ذلك الفعل من الملك ، يدل على أنه يصدق المدعى فى دعواه ، ولا ننكر أنه يوهم ذلك. وأما أن يدل عليه قطعا ، فهذا ممنوع. وذلك لأن أقصى ما فى الباب أن يقال : انه حصل ذلك الفعل عند ذلك الطلب ، ولم يفعله قبل ذلك الطلب. فحصل الدوران بينهما وجودا وعدما. والدوران وجودا وعدما يدل على العلية.
الا أنا نقول : قد بينا أن الدوران وجودا وعدما ، لا يدل على العلية. والّذي يحقق ذلك : أنه لا يبعد أن يقال : لما التمس ذلك المدعى من ذلك الملك أن يحرك قلنسوته ، فانه حصل فى ذلك الوقت سبب آخر ، استقل بأن يحرك الملك قلنسوته لأجله ، لا لأجل طلب المدعى. اما لأجل أن عقربا وقع على قلنسوته ، فى ذلك الوقت ، أو لأجل أنه تألم رأسه من تلك القلنسوة فى ذلك الوقت ، أو لأجل أن انسانا آخر أشار إليه اشارة ، اقتضت أن يحرك الملك قلنسوته. وبالجملة : فالمعلوم أنه لا بد للملك من غرض فى تحريك القلنسوة ، فأما أنه لا غرض الا تصديق هذا المدعى ، فهذا لا شك أنه ظاهر. واما القطع فلا سبيل إليه.
المقام الثانى : هب أنه ثبت هذا المعنى فى الشاهد ، فكيف يقيسون الغائب عليه؟
وطريق السؤال عليه من وجهين :
الأول : ان القياس لا يفيد اليقين. لاحتمال أن ما لأجله وقعت المفارقة بين الأصل والفرع : معتبرا فى الأصل أو مانعا فى الفرع.
الثانى : انا عارفون بأحوال ذلك الملك وبأخلاقه ومناهج أفعاله ، فلا جرم يمكننا أن نعرف أنه انما فعل ذلك الفعل ، لأجل ذلك الغرض. وأما أنواع حكم الله تعالى فى أفعاله ومخلوقاته ، فليس لأحد سبيل
![الأربعين في أصول الدين [ ج ٢ ] الأربعين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3315_alarbain-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
